تونس.. الصراع الهوياتي أو شرط ظهور منظومة الاستعمار الداخلي وهيمنتها

عادل بن عبد الله
"هيمنة الصراعات على المشهد التونسي منذ المرحلة التأسيسية أوجد كتلا وظيفية مؤدلجة لا عمل لها إلا خدمة منظومة الاستعمار الداخلي"- الأناضول
"هيمنة الصراعات على المشهد التونسي منذ المرحلة التأسيسية أوجد كتلا وظيفية مؤدلجة لا عمل لها إلا خدمة منظومة الاستعمار الداخلي"- الأناضول
شارك الخبر
رغم الجوهر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للشعارات المرفوعة خلال الثورة التونسية -ومن بعدها في بلدان "الربيع العربي"- فإن المسارات المتعثرة لهذه "الثورة" خلال عشرية الانتقال الديمقراطي ومحصولها الهش قد مهّدا الطريق فكريا وموضوعيا أمام إغلاق "الفاصلة الديمقراطية" بدعم نخبوي نشط، خاصة من مكونات ما يسمى بـ"القوى الحداثية"، وبمباركة من الأغلبية الصامتة التي كانت تراقب انحراف الثورة عن أهدافها الأصلية وتحول السجال العمومي إلى سجال عبثي وخطير مداره القضايا الهوياتية. كان انحراف الصراع المجتمعي عن مداراته الأصلية يتحرك بالبلاد ونخبها في اتجاه معاكس لانتظارات عموم المواطنين، وكان يمنع ظهور كتل سياسية ما بعد أيديولوجية مستقرة، فما بالك بظهور "كتلة تاريخية" تتجاوز السرديات الكبرى المغلقة ومفاهيمها المفوّتة من منظور استحقاقات الثورة.

سنحاول في هذا المقال أن ندافع عن أطروحة مركزية تخترق كل مقالاتنا عن الشأن التونسي قبل الثورة وبعدها، وسنحاول أن نقدم بعض الحجج التي تؤكد قوتها التفسيرية للواقع التونسي من خارج السردية السلطوية والسرديات المعارضة. وهذه الأطروحة هي التالية: إن الصراع الهوياتي بين النخب المؤدلجة التونسية، ومن ورائها الصراع بين قواعدهم الانتخابية، هو شرط بقاء منظومة الاستعمار الداخلي بنواتها الصلبة وملحقاتها الوظيفية، وهو -أي الصراع الهوياتي- ما يجعل دور النخب بمختلف مدارسها الأيديولوجية لا يتجاوز واقعيا -أي بعيدا عن ادعاءاتها الذاتية- تثبيت تونس في وضعية "الكيان الوظيفي" وتعطيل أي مشروع حقيقي للتحرر الوطني وبناء مقومات السيادة على مختلف الأصعدة.

تحوّل الصراع السياسي من صراع الكل ضد تلك المنظومة إلى صراع "العائلة الديمقراطية" (بما فيها ورثة التجمع) ضد الإسلاميين. وهو ما ميّز العلاقات بين الفاعلين الجماعيين منذ المرحلة التأسيسية، ومن بعدها مرحلة الترويكا ثم مرحلة التوافق بين النهضة والنداء، ثم مرحلة التمهيد لـ"تصحيح المسار" وما تلاها

بعد الاستقلال الصوري عن فرنسا، كانت السردية الرسمية تتحدث عن الأمة التونسية بالمعنى الوستفالي للكلمة. فتونس هي أمة برأسها، وليس انتماؤها إلى العالمين العربي والإسلامي -بنص الدستور ذاته- إلا مجرد فائض معنى لا قيمة كبيرة له في مستوى الخيارات السياسية والتشريعية والشراكات الاقتصادية. لم تكن الدولة-الأمة بالمعنى البورقيبي إلا مجرد تونسة مشوّهة للدولة-الأمة الفرنسية، وهو تشوّه ضروري لا يمكن تفسيره فقط باختلال موازين القوى بين الطرفين، بل يفسر أيضا بكونه خيارا سلطويا واعيا هدفه ترسيخ علاقات التبعية لباريس، باعتبارها نموذج التقدم والحداثة، أي النموذج المقابل موضوعيا وفكريا للهوية التراثية، في مرحلة الاستعمار الجديد الذي سُمّي مجازا استقلالا. وبما أننا لسنا هنا في سياق تقويم البورقبية بصورة تفصيلية، فإننا سنكتفي بالتذكير بأن منظومة الاستعمار الداخلي التي أسسها بورقيبة كانت تحتاج لبناء سلطتها إلى تفكيك السلطات التقليدية وما يؤسسها فكريا (كالزيتونة) أو يدعم استقلاليها اقتصاديا (كالأوقاف).

كانت تلك المنظومة تحتاج إلى تضخيم المكاسب "الهوياتية" (كمجلة الأحوال الشخصية وبعض الحريات الشخصية) ليس فقط لترسيخ مشروعيتها باعتبارها مشروعا تحديثيا، بل لحرف الأنظار عن جوهر وظيفة منظومة الاستعمار الجديد وطبيعة مكوناتها الجهوية، أي حرف الأنظار عن آليات توزيع السلطة والثروة باعتبارها آليات استبعاد لأغلب الجهات ولكل النخب غير الموالية للزعيم بصورة غير مشروطة من جهة أولى، وباعتبارها من جهة ثانية آلياتٍ لحماية المصالح المادية والرمزية للمستعمر القديم ولمنظومة الوكلاء المحليين التي كانت بصدد التشكل التدريجي.

كانت سردية محاربة التخلف والجهل والخرافة وتحرير المرأة واللحاق بركب الدول المتقدمة، وهي سردية هدفها الحقيقي تحويل تونس إلى جملوكية جهوية-ريعية-أمنية تحتاج إلى "عدو وجودي"، وهو ما وجدته منظومة الاستعمار الداخلي في النخب والمؤسسات والتشريعات التقليدية. ولكنّ الآلة الدعائية للنظام كانت تحتاج إلى تقديم منظومة الاستعمار الجديد باعتبارها اجتهادا من داخل الدين لا من خارجه، وكانت تحتاج إلى إظهار الإملاءات الخارجية والمصالح الداخلية وكأنهما من "مقاصد الشريعة". وهي مقاصد ذهل عنها حتى أرباب الفكر المقاصدي أنفسهم ولم يقف عليها إلا "الزعيم" ومنظومة الاستعمار الجديد.

عملت منظومة الاستعمار الجديد في مرحلتها التأسيسية البورقيبية على تضخيم "المكاسب" الفردية وعلى إظهار عملية تفكيك البنى التقليدية للمجتمع وكأنها مكسب في ذاتها. وكان ذلك التفكيك يحتاج إلى جملة سياسية ذات جوهر هوياتي، فتأسيس الدولة-الأمة (أي دولة الزعيم-الحزب-الوطن) وحرية المرأة ووضع بعض المفاهيم السياسية الحديثة في الدستور؛ أصبحت مكاسب في ذاتها بصرف النظر عن محصولها الاقتصادي والاجتماعي، وبصرف النظر كذلك عن بنية السلطة واستمرار ثقافة الشيخ والمريد بمفردات مُعلمنة، وبصرف النظر أخيرا عن الآليات التي وضعتها السلطة لإنتاج للثروة والتحكم فيها. وأصبحت "الإنجازات" تقاس في الغالب كيفيا لا كميّا، وهو ما مكّن للمجازات السلطوية المتباهية بمكاسب "رمزية" لا محصول لها واقعيا. وإذا لم يكن الإسلام السياسي هو الخصم الرئيس للبورقيبية إلا في مرحلتها الأخيرة، فإن الإسلاميين كانوا هم مركز الصراع الهوياتي زمن المخلوع وما تلا هروبه في 14 كانون الثاني/ يناير 2011.

كان الدفاع عن "النمط المجتمعي التونسي" (أي النمط الفرنسي المُتونس برعاية منظومة الاستعمار الداخلي) هو مركز صراع منظومة المخلوع وملحقاتها الوظيفية ضد الإسلاميين. فالإسلاميون لم يكونوا حسب السردية السلطوية والسرديات اليسارية المتحالفة معها موضوعيا تعبيرا عن أزمة مجتمعية عميقة، ولم يكونوا يحملون احتجاجات مشروعة على نمط التحديث الفوقي ومحصوله الهش سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. كان النظام يحتاج إلى حرف الصراع ضد الإسلاميين عن مداراته الاحتجاجية المشروعة، ولذلك كان لزاما عليه أن يُظهر هذا المكوّن السياسي باعتباره مشروعا "متطرفا" و"إرهابيا" و"طائفيا"، ومشروعا سياسيا له علاقات مشبوهة مع الصهيونية والإمبريالية، وتهديدا وجوديا لما يُسمونه بمكاسب المرأة والحريات الخاصة والعامة.

الصراع السياسي بعد الثورة لم يكن يوما هو التخلص من الاستعمار الجديد أو على الأقل إعادة التفاوض مع مكوناته من موقع تمثيل الإرادة الشعبية، بل كان ذلك السقف هو خدمة تلك النواة الصلبة لتلك المنظومة بسرديات سياسية متناقضة فيما بينها، لكنها متواطئة كلها على عدم تجاوز وضعية الكيان الوظيفي لتونس

وقد احتاج النظام لفرض هذه السردية إلى خدمات اليسار الوظيفي-بشقّيه الماركسي والقومي- حتى يُظهر الإسلاميين بمظهر من يخرج عن "الإجماع الوطني". وكان ذلك الخروج (أو الرّدة عن المقدس اللائكي) مبررا لسياسات "التكفير المُعلمن" وما مورس بسببها من عنف رمزي ومادي على أجساد آلاف التونسيين والتونسيين منذ أوائل تسعينات القرن الماضي.

بعد "الثورة"، لم تنجح منظومة الاستعمار الداخلي فقط في فرض منطق "استمرارية الدولة" (أي إعادة تدوير الرساميل الرمزية والبشرية المنتمية للمنظومة القديمة)، بل نجحت أيضا في استصحاب الصراعات الهوياتية التي ميزت التأسيس الفعلي لمنظومة حكم المخلوع. وبحكم حلّ الذراع الأيديولوجية للنظام السابق -حزب التجمع الدستوري- فقد تقدّم اليسار الوظيفي لملء هذا الفراغ ومنع أي اشتغال سوي لمؤسسات الدولة وللمجتمع المدني. وكان أول نجاح لهذا اليسار هو حرف الصراعات السياسية عن مدارها الاقتصادي والاجتماعي وإخراج منظومة الاستعمار الداخلي عن دائرة السجال العمومي، فتحوّل الصراع السياسي من صراع الكل ضد تلك المنظومة إلى صراع "العائلة الديمقراطية" (بما فيها ورثة التجمع) ضد الإسلاميين. وهو ما ميّز العلاقات بين الفاعلين الجماعيين منذ المرحلة التأسيسية، ومن بعدها مرحلة الترويكا ثم مرحلة التوافق بين النهضة والنداء، ثم مرحلة التمهيد لـ"تصحيح المسار" وما تلاها إلى حد كتابة هذا المقال.

لمّا كان شرط ظهور "كتلة تاريخية" هو تحييد الصراعات الهوياتية والبحث عن مشترك وطني يضمن الحد الأدنى من الفاعلية في أجهزة الدولة وخارجها، فإن هيمنة تلك الصراعات على المشهد التونسي منذ المرحلة التأسيسية قد أوجد كتلا وظيفية مؤدلجة لا عمل لها إلا خدمة منظومة الاستعمار الداخلي وإضعاف الجبهة الداخلية، في مواجهة النواة الصلبة لتلك المنظومة ومن يقف وراءها من قوى إقليمية ودولية. وإذا انطلقنا من هذه المقدمة فإن سقف الصراع السياسي بعد الثورة لم يكن يوما هو التخلص من الاستعمار الجديد أو على الأقل إعادة التفاوض مع مكوناته من موقع تمثيل الإرادة الشعبية، بل كان ذلك السقف هو خدمة تلك النواة الصلبة لتلك المنظومة بسرديات سياسية متناقضة فيما بينها، لكنها متواطئة كلها على عدم تجاوز وضعية الكيان الوظيفي لتونس وكذلك على إدارة الدولة بمجازات وطنية وديمقراطية لا محصول لها واقعيا إلا تكريس حالة "الإذلال المزدوج": إذلال القوى الخارجية لمنظومة الحكم بفرض ما يمكن من الإملاءات الاقتصادية والثقافية، وإذلال هذه المنظومة التابعة للأغلب الأعم من "أشباه المواطنين".

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)