حين تعجز الدولة عن بناء المؤسسات.. تستدعي البلطجي

محمد زويل
"لماذا تلجأ بعض الأنظمة إلى هذه الأدوات؟"- إكس
"لماذا تلجأ بعض الأنظمة إلى هذه الأدوات؟"- إكس
شارك الخبر
من الظواهر التي تستحق التأمل في عدد من الدول النامية، ظهور شخصيات أو مجموعات تقع في المنطقة الرمادية بين الدولة والمجتمع، وبين القانون والقوة، وبين الرسمية وغير الرسمية. هذه الظاهرة ليست مصرية خالصة، بل عرفتها دول عديدة بأسماء مختلفة: المليشيات الرديفة، الشبيحة، الحرس الموازي، العصابات الحليفة، أو رجال النفوذ المحلي.

في الحالة المصرية، أصبح اسما صبري نخنوخ وإبراهيم العرجاني من أكثر الأسماء إثارة للجدل في النقاش العام، ليس بسبب شخصيهما فقط، بل بسبب ما تمثله الظاهرة نفسها.

الدولة الحديثة تقوم على مبدأ واضح صاغه عالم الاجتماع ماكس فيبر: احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة. لكن عندما تبدأ الأنظمة السياسية في الاعتماد على شبكات نفوذ خارج البنية المؤسسية الطبيعية، فإننا نكون أمام انتقال تدريجي من دولة المؤسسات إلى دولة الوسطاء.

في هذه الحالة لا تصبح القوة مرتبطة بالقانون وحده، بل بمن يملك القدرة على الحشد أو الردع أو النفوذ الاجتماعي أو الاقتصادي. فلماذا تلجأ بعض الأنظمة إلى هذه الأدوات؟

يمكن تفسير ذلك بعدة أسباب:

- المرونة السياسية: قدرة الدولة على التكيف مع الأوضاع حتى وإن كانت في نظر البعض خاطئة، أو المؤسسات الرسمية مقيدة بالقانون وتريد الدولة الرسمية فعلا لا يتفق مع صحيح القانون، فتقوم الشبكات غير الرسمية فتتحرك بحرية أكبر.

- خفض التكلفة السياسية: قد تضطر الدولة لخفض التكلفة السياسية في بعض المواقف فتلجأ لنقل هذا النوع للوسطاء. وحينذاك يمكن للنظام أن ينفي مسؤوليته المباشرة عن بعض الممارسات.

- إدارة الفراغات: قد تريد الأنظمة إدارة الفراغات التي لا تستطيع هي القيام بذلك في المناطق الهامشية أو المضطربة أمنيا، فتلجأ إلى وسطاء محليين.

- خلق ولاءات: لخلق مراكز ولاء جديدة، وقد تريد الدولة كسر احتكار النخب التقليدية للنفوذ، فتلجأ لنفوذ "البلطجية" لكسر هيبة وردع أصحاب النفوذ التقليديين.

وهذ كله له من المخاطر الاستراتيجية ما ينبغي للدول الديمقراطية أن تتنبه له، وقد تحقق هذه الأدوات مكاسب قصيرة الأجل، لكنها تحمل مخاطر كبيرة منها: إضعاف هيبة المؤسسات الرسمية، وتشويش مبدأ سيادة القانون، وخلق مراكز قوة مستقلة بمرور الزمن، وتحويل النفوذ الشخصي إلى بديل عن الكفاءة المؤسسية.

وقد أظهرت تجارب عديدة في روسيا والعراق وسوريا ولبنان أن القوى الموازية التي تُصنع لحل مشكلة مؤقتة قد تتحول لاحقا إلى مشكلة بنيوية أكثر تعقيدا.

القضية ليست في شخص بعينه، بل في سؤال أعمق هل تبني الدولة قوتها عبر المؤسسات أم عبر الأشخاص؟ التاريخ يشير إلى أن الدول التي تربط نفوذها بالأشخاص تصبح رهينة لهم، أما الدول التي تبني مؤسسات قوية فتستطيع تغيير الأشخاص دون أن تهتز.فالمؤسسة تورث الاستقرار، أما الشخصنة فتورث الهشاشة مهما بدت قوية في لحظتها الراهنة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل