طريق الخروج (6)

حمزة زوبع
"تشييد أكبر منشأة عسكرية في تاريخ وزارة الدفاع المصرية، واختصها بأن تكون في جوار قصره الجديد في العاصمة الجديدة وفي مبنى الأوكتاغون"- متحدث القوات المسلحة
"تشييد أكبر منشأة عسكرية في تاريخ وزارة الدفاع المصرية، واختصها بأن تكون في جوار قصره الجديد في العاصمة الجديدة وفي مبنى الأوكتاغون"- متحدث القوات المسلحة
شارك الخبر
"قدرات الجيش كافية للدفاع عن بلدنا مش علشان نعمل حاجة ضد حد" (الجنرال السيسي- 2024).

"طول ما القوات المسلحة يقظة منتبهة مستعدة مدربة أمينة شريفة؛ مفيش خوف أبداً من حاجة" (الجنرال السيسي- 2025).

"جيش مصر قائم على رسالته في حماية بلده والحفاظ على حدودها، ولا يهاب التحديات.. جيش وطني من صلب هذا الشعب العظيم.. أبناؤه يحملون أرواحهم على أكفهم ويقفون كالسد المنيع" (الجنرال السيسي- 2025).

"جيشنا الباسل هو الدرع والسيف الذي حرر الأرض بالأمس ويحميها اليوم، وقادر على سحق كل من تسول له نفسه الاقتراب من مصر أو المساس بأمنها القومي" (الجنرال السيسي- 2026).

"عقيدة القوات المسلحة التنمية والازدهار وليس القتال.. ليس لديها أجندة خفية ضد أحد" (الجنرال السيسي- تفتيش الحرب 2024).

ثم جاءت واقعة المسيّرة التي قصفت سفينة التغويز "انرجوس وينتر" المستأجرة من الولايات المتحدة الأمريكية (انرجوس انفراستركتشر)، وهي السفينة التي تقوم بتحويل الغاز المسال إلى غاز في ميناء دمياط المطل على ساحل البحر المتوسط، فأخرست أبواق النظام وأسكتت الجنرال وألزمته المكوث في قصره البديع على ساحل العلمين؛ بعيدا عن كاميرات التصوير وأحاديث ونكات المواطنين البسطاء الذين انخدعوا بكلامه عن قوة الجيش المصري وقدرته على حماية البلد، فإذا بهم يسمعون عن واقعة المسيّرة التي أصابت مرفقا حيويا يعامل كمنطقة عسكرية فعليا، فالأرصفة البحرية والمرافق التابعة لها ذات طابع عسكري- أمني، كما يوجد نادٍ لضباط القوات المسلحة في رأس البر القريبة جداً من دمياط، والميناء نفسه له أهمية استراتيجية عالية جدا، ما يعني أن واقعة المسيّرة وباختصار جرت في منطقة عسكرية أو شبه عسكرية، وبالتالي فما جرى هو جريمة وإهانة في حق العسكرية المصرية.

لطالما كان الجنرال فخورا بالجيش ومعددا لمناقبه، وممتنا على الشعب بأفضاله، ولطالما تحدثت أبواق النظام عن قوة الجيش وقدراته التي لا يقدر عليها أحد في الشرق والغرب، ولطالما أخبرونا عن ترتيب جيش الجنرال عالميا، ولكن أراد الله أن يكشف ستره عن الجنرال وعن أبواقه، فبدا عاجزا غير قادر على الحديث أو التبرير أو التجرؤ على الرد أو التهديد به، كما اعتاد في كل الأزمات وعلى رأسها أزمة مياه نهر النيل أو ما عرف بسد النهضة، وهي الأزمة التي لا تزال مستمرة منذ توقيعه على اتفاقية تسمح لإثيوبيا ببناء السد بل السدود دون مراعاة للمصلحة الوطنية.

فما أهمية واقعة المسيرة في سياق الحديث عن طريق الخروج؟

تكمن الأهمية في أن مثل هذا النظام قد يؤتى من أقوى نقاط قوته، وهو الجيش الذي من أجله قام بتشييد أكبر منشأة عسكرية في تاريخ وزارة الدفاع المصرية، واختصها بأن تكون في جوار قصره الجديد في العاصمة الجديدة وفي مبنى الأوكتاغون.

ولعلنا ونحن نفحص تاريخ هذه الإشادات الموجودة في بداية هذا المقال نلحظ بعض العبارات التي قد سقطت مع اللحظة الأولى لسقوط المسيرة فوق سفينة الغاز في ميناء دمياط، فمن الواضح أن الجيش لم يكن موجودا بالفعل، بينما كان هناك من يخطط لإرسال تلك المسيرة على الرغم من أنه في العلوم العسكرية فإن أقوى ما في الجيوش هي قدرتها على توقع من أين تأتي الضربة أو الضربات، وهو أمر لم يحدث في واقعة المسيرة، ولم يكن هناك من يرصد المسيرة وهي تعبر سماوات مصر المفتوحة، ولم يكن هناك أي قوة دفاعية تعترض المسيرة وهي تسقط على سفينة الغاز الأمريكية في مدينة دمياط، وحتى ما بعد الواقعة لم ينشر أي تقرير عسكري عما جرى ولم نر أي خلاصة عسكرية أو أمنية، ولم يخرج علينا الجنرال بميكرفونه المعهود ليردد عباراته المكررة عن دور الجيش في حماية أمن البلاد، ولم نقرأ أو نسمع عن أي تحقيق ومن ثم قرارات بشأن الإهمال الذي جرى، مع العلم أن الأمر ليس بسيطا كما يحاول تصويره بعض الدهماء بالقول بأن أمريكا تسقط عليها المسيرات الإيرانية في دول الخليج والأردن؛ ويتناسى هؤلاء أن في الخليج توجد أنظمة اعتراض للصواريخ والمسيرات وبالتالي نسمع عن اعتراض الصواريخ، بينما لم يعترض المسيرة التي ضربت دمياط أحد أو لم نسمع عن اعتراضها حتى تاريخه، وكل ما رأيناه بعد الواقعة هو كيف تعاملت أجهزة المطافئ مع الواقعة وكأنها حريق بسبب موظف طائش ألقى بعقب السيجارة بالقرب من سفينة الغاز.

واقعة المسيّرة كشفت عن عمق أزمة الجيش المصري وحقيقة الهشاشة العسكرية التي هي عليه بسبب انشغاله بالعمل السياسي والإداري والاقتصادي. ورغم مرور عدة أيام لم نسمع صوت الجيش ممثلا في وزير دفاعه أو في الجنرال السيسي الذي يحكم كل شيء في مصر.

هذه الواقعة تؤكد أنه قد يؤتى الحذر من مكمنه، وأن الجنرال ليس سوى أكذوبة قد يُقضى عليها بتكرار مثل هذه الحوادث رغم حالة اليقظة المرتبكة التي يحاول الجنرال تصديرها إلى الشعب مع تصدير فكرة أن الجيش يحمي الشعب، مع أنه فعليا غير قادر على حماية الأجواء المصرية المفتوحة المكلف بحمايتها، وبعبارة أخرى غير قادر على حماية نفسه، وهذا ما قد يجعل من حالة الانفجار التي تنتظر الوضع السياسي والاجتماعي المصري قريبة، ولكنها ستؤدي إلى مجهول كبير في ظل الانقسام المجتمعي والسياسي في مصر على مدار سنين حكم الجنرال السيسي.

ثم وبعد ذلك نعود للخيارات التي طرحناها في أول مقال من هذه السلسلة عن طريق الخروج، وهي مقالات لرصد الواقع وبناء سيناريوها للخروج؛ ليس بالضرورة أن تكون كلها متساوية في الوزن ولكنها بالضرورة يمكن حدوثها في مصر.

الخيار الثاني المتمثل في إحداث تغير أو انقلاب داخل القصر الحاكم نفسه، بمعنى إحداث تغيير داخل منظومة الحكم في مصر، وهذا الكلام غير قابل للتطبيق أولا لغياب منظومة للحكم، وأعني هنا منظومة سياسية ومؤسساتية. فكما شرحت على مدار المقالات السابقة فإن الجنرال السيسي يبني مملكته الخاصة بعد أن قام بتقسيم مصر إلى شعبين وإلى عالمين اجتماعيين متناقضين مصر (يعني عامة الشعب) وإيجيبت (يعني الطبقة المخملية في المجتمع)، وهاتان الطبقتان هم حطب النار المنتظرة في حرب اجتماعية قد تكون طاحنة في ظل ابتعاد الجنرال بالسلطة إلى الصحراء المسماة بالعاصمة الجديدة خوفا من ثورة الشعب، وسيكون البديل هو ثورة الفقراء ضد الأغنياء وليس ثورة الشعب ضد الحاكم.

وهذا سيناريو "أسود من قرن الخروب" كما نقول في مصر، وقد يلجأ إليه الجنرال في لحظة أو قد تستخدمه بقايا السلطة المتبقية من عصر مبارك والتي أراها تزحف رويدا رويدا عبر بوابة الإعلام الجديد (بودكاست)، وهو أمر لو تعلمون عظيم. إذ بات المطلوب هو عمل مقارنة بين زمن مبارك وزمن والسيسي، وبالطبع ستكون النتيجة لصالح مبارك الذي أسقطه الشعب المطالَب الآن بنسيان قصة الثورة وقصة مبارك من أجل أن يتمتع بتغيير محدود، فهل سيكون التغيير المحدود باستدعاء ما تبقى من نظام مبارك عوضا عن الثورة والثوار وحكم الرئيس مرسي الذي تم الانقلاب عليه وقتله في سجنه وتشويه السنة التي حكم فيها وتصوير الانقلاب على أنه ثورة؟

فكرة التقدم للوراء بدلا من السير نحو الأمام فكرة حاضرة وبقوة، وأرى ملامحها عبر بالونات الاختبار التي تطلقها جهات خارجية تسعى وبقوة أن يكون لها كلمة في التغيير القادم في مصر، في مواجهة ما يقوم به أعوان الجنرال من محاولات لتعديل الدستور وتمكين الجنرال من الدولة والسلطة والتصرف فيها بما يراه متجاوزا مصالح الآخرين، وأعني بهم كفلاء النظام وداعميه الذين يرونه يتصرف برعونة في المواقف الإقليمية، ولا يستطيع إدارة مصر بالطريقة التي يمكن بها عبور أزماتها المتكررة والمتراكمة والمتراكبة كأنها ظلمات بعضها فوق بعض.

قد تكون فكرة التصالح مع نظام مبارك من خلال تعديلات وإضافات وتصورات مناسبة للمرحلة أحد السيناريوهات، لكن حتى هذا السيناريو سيقف دونه عدة أطراف منهم السيسي نفسه والجيش بعد أن وجدا نفسيهما على العرش، كما أن هذا السيناريو سترفضه دولة الكيان التي ترى في السيسي والجيش بعقيدته الحالية أفضل حليف استراتيجي لا يمكنها التفريط فيه، وأضف إلى ذلك دولة الإمارات العربية التي وكما عبّر أحد أبواقها وهو عدنان إبراهيم، الفلسطيني المقيم على أرضها، بأن أبو خالد (أي محمد بن زايد) هو من بنى جيش مصر الحالي وبالتالي فإن هذه الاستثمارات يمكن أن تصبح في مهب الريح إذا ما حدث تغيير غير متوافق عليه في مصر.

هنا تكمن خطورة الأمر؛ لأن السيناريو الأول وهو الانفجار يحتاج إلى هبة شعبية كبيرة وعظيمة، وهي محتملة لكن تدابير منعها تتزايد، وأما التغيير الجزئي بمحاولة إعادة إنتاج نظام "مبارك 0.2" (النسخة الجديدة) فسيجد فيتو صهيو-إماراتيا بدون شك.

إذن الثورة بمعناها المتعارف عليه قد تبدو صعبة للغاية، وبديلها المحتمل هو الانفجار المخطط له والذي قد يسيّره ويشرف على تنفيذه النظام حتى يبدو انفجارا فئويا طبقيا (الشعب ضد الشعب) وليس انفجارا ضد السلطة. والخيار الثالث هو إنتاج نسخة جديدة محسنة من نظام مبارك، هل بقي من سيناريوهات للتغيير في مصر؟ نناقش الأمر في المقال القادم إن شاء الله.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)