طرحت سؤالا في المقال السابق قلت فيه: هل نحن قادرون على صياغة استراتيجية
أو مشروع نعبر به فوق كل ما يجري على الوطن من تغييرات قد تكون وجودية؟ واليوم
نناقش هذا الأمر نظرا لأهميته بل لخطورته على مستقبل هذا الوطن.
بداية لا بد وأن يفهم الجميع. وأعني بالجميع الكل دون استثناء؛ من يحمي أو
يساند هذه السلطة ومن هم في قاع المجتمع والطبقات التي تعيش بينهما، فلا شيء مضمون
في ظل تدهور الأوضاع الراهنة ولا حتى الوطن ذاته. ولن أكرر ما نقرأه يوميا وعلى
مدار الساعة عن انهيار المجتمع وتفكك أوصاله وارتفاع نسبة الجريمة، وزيادة معدلات
البطالة وتراجع قيمة الجنيه وزيادة الديون مع استمرار سياسة الاقتراض العشوائي والمناداة
برهن قناة السويس، مع تهديد الحدود من الغرب والجنوب والعدو المتربص بنا في الشرق،
والحرب التي قد يتسع نطاقها بين لحظة وأخرى على إيران، مع العجز المطلق من جانب
سلطة الانقلاب على مواجهة كل هذه التحديات، وقدرتها الفائقة على مواجهة الشعب وكتم
أنفاسه وحرمانه من حق في الصراخ والتألم.
إذا أدركنا جميعا أن هذه السلطة أصبحت كالسرطان الذي يسري في جسد الوطن ولا
حل سوى استئصاله مع طبقة من حوارييه وداعميه، كما يفعل أطباء الجراحة حين يستأصلون
الورم من جسم المريض فيضطرون إلى اسئصال جزء آخر من المنطقة المحيطة به حتى يضمنوا
عدم عودة الورم من جديد، فستكون النتيجة هائلة خصوصا مع مواصلة التداوي بالأدوية
المناسبة بعد هذا الاستئصال وليس زراعة مشروع ورم آخر ليحل محل الأول.
يجب على الجيش نفض يده من الحاكم العسكري الذي أثبتت الأيام أنه ليس كفؤا، بل إنه نقمة اعتقد جنرالات الجيش أنه سيكون نعمة فتبين لهم حجم ضرره حتى على المؤسسة العسكرية ذاتها
أول خطوة هي اعتراف الجميع بالفشل، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، إلى
الجيش الذي كان رهانه على اختيار جنرال لحكم البلاد برغم عجزه التام عن ذلك
وافتقاره للكوادر المؤهلة رغم اتهامهم للإخوان بأن ليس لديهم كوادر وبالتالي كان
من الخطأ تصدرهم لحكم البلاد، وقد تبين عبر 13 عاما مضت أن الجيش رغم كل الضجة
الإعلامية التي صنعت حوله؛ يفتقر كما افتقر
الإخوان وإن بصورة أكبر وأوسع وأكثر
للكوادر التي يمكن أن يقوم بها البلد وتنهض على أيديهم، ويتحمل الجيش المسؤولية
على غرار ما يجري من تحميل الإخوان لمسئولية الحكم لمدة عام واحد.
يتحمل الجيش والإسلاميون والليبرالية واليسار المسؤولية، ومعهم الشعب الذي
صفق وهلل للانقلاب. وبناء عليه، فالكل متورط فيما جرى وإن تفاوتت درجة التورط
وبالتالي اختلفت درجة المسؤولية.
نذهب للجيش أولا.. يجب على الجيش نفض يده من الحاكم العسكري الذي أثبتت الأيام أنه ليس كفؤا،
بل إنه نقمة اعتقد جنرالات الجيش أنه سيكون نعمة فتبين لهم حجم ضرره حتى على
المؤسسة العسكرية ذاتها، والتي تنال نصيبها اليومي من الانتقاد بسبب تورطها في
الشأن العام التنفيذي، وبالتالي فكل الأخطاء يتم تحميلها على قادة هم في الأصل
عسكريون لا سياسيون ولا حتى تنفيذيون بالمقاييس المدنية المتعارف عليها.
يتعين على الجيش التكفير عن ذنبه بإعلان غسل يديه من تأييده لحاكم مستبد
قاتل فاشل، تسبب في تراجع
مصر وفقدانها لهيبتها ومكانتها العربية والدولية وإغراقها
في ديون سوف تلعن الأجيال القادمة من تسبب فيها، وعلى رأس هؤلاء الجيش الذي لم
نسمع منه رأيا مخالفا أو انتقادا أو تلميحا، بل على العكس شارك الجيش بقواته
الخاصة في قمع المتظاهرين وسحلهم وقتلهم في الشوارع والميادين، وشارك في المحاكمات
العسكرية العبثية للمعارضين وحتى المنتقدين لسياسة هذا الحاكم.
وقد يقول قائل: وكيف يمكن حدوث ذلك؟ أقول له إن الأمر جد بسيط وهو أن يقوم
الجيش بإصدار بيان مختصر يُعرب فيه عن أن الجيش يؤكد على أن دوره كما جاء في
الدستور، في المادة 200 منه والمعدلة في عام 2019: "القوات
المسلحة ملك للشعب، مهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون
الدستور والديمقراطية، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها،
ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد، والدولة وحدها هى التى تنشئ هذه
القوات، ويحظر على أى فرد أو هيئة أو جهة أو جماعة إنشاء تشكيلات أو فرق أو
تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية".
ورغم التحفظ على
فكرة صون الدستور لأن من يصون الدستور هو من صنعه وليس الجيش، إلا أنه ومن خلال
هذه المادة يمكننا فهم طبيعة ودور الجيش والذي لا يجب أن يتجاوزه أبدا. فهل سيكون
سهلا على الجيش أن يخرج إلى الناس معلنا أن مقومات الدولة الأساسية باتت في خطر
وأن مدنيتها مهددة، وأن مكتسبات الشعب تحولت إلى مكتسبات للحاكم، وأن حرية وحقوق
الأفراد أصبحت في خبر كان؟ بالطبع لن يكون
الأمر سهلا ولكنه ليس مستحيلا، ويمكن للجيش إخراج المشهد بطريقة تحفظ له موقعه
وتضغط من أجل الحفاظ على ما تبقى من سمعة الجيش التي تتآكل بشكل مرعب ومخيف.
أما التيارات الإسلامية، وأخص بها الإخوان المسلمين بوصفهم أكبر تيار منظم
في المجتمع رغم كل ما جرى عليه وجرى فيه، فيتعين عليهم اتخاذ خطوات شجاعة ومهمة وحتمية
للبقاء والاستمرار والتأثير، وعلى رأس ذلك:
1- تأكيد ما أكده الدكتور حلمي الجزار بأنهم سيبتعدون عن
المنافسة السياسية، ولكي يكون كلامهم واضحا فلا بد من الإعلان عن فصل المسار
السياسي الحزبي عن الدعوة والمسارات الأخرى، بحيث يُترك لأعضاء الإخوان ومحبيهم
خيار الممارسة الحزبية بعيدا عن الجماعة أو حزب الجماعة. وهذا يتطلب الإعلان وبوضوح
عن انفصال الحزب عن الجماعة، وعدم وجود ارتباط مالي أو تنظيمي بين الجماعة والحزب (إن
بقي بناء على رغبة مؤسسيه وأعضائه)، وبالتالي يمكن لآحاد أعضاء الجماعة دخول الأحزاب
التي يرونها مناسبة وملائمة وتسعى لتحقيق رؤيتهم في العمل السياسي وفق مرجعيتهم
الدينية.
2- ليس هذا فحسب، بل وقبل ذلك كله يتعين على الإخوان إعادة
ترتيب البيت من الداخل، وتنفيذ ما خلصوا إليه من مراجعات لما جرى منذ 2011 إلى
اليوم على أرض الواقع دون تبطئة ودون انتقائية، وإن قُبل منهم التطبيق المرحلي
نظرا لأنهم تعرضوا لجروح غائرة تحتاج بعض الوقت لتضميدها والتعافي من آثارها طويلة
المدى.
مراجعة جماعة الإخوان لمشروعها الفكري في ضوء ما جرى بناء على مراجعتها بعد إعلانها -وأتمنى أن يكون ذلك قريبا كما علمت من بعض قيادات الإخوان- وإعادة هيكلة الجماعة تنظيميا وجعلها مؤسسة شفافة تتوافق مع القانون والدستور (حال عودة الدستور والقانون والنظام إلأى المسار الطبيعي والصحيح)، وابتعادها عن ممارسة السياسة الحزبية التنافسية؛ سيؤهلها للعب دور كبير وعظيم في صناعة المستقبل
3- يجب على الإخوان اليوم النظر للغد والاعتقاد بأنه
أقرب مما يتخيلون، وأن المستقبل لا يمكن بناؤه دون التخلص من كافة الشوائب
والعوالق التي لصقت بهم ونبتت في الجسم التنظيمي وأثبتت أن الثقة لا بد وأن يقترن
بها الكفاءة، وأن غياب المحاسبة يعني غياب المصداقية وأن غياب الشفافية يعني سحب
ثقة الناس من هذه المؤسسة. وأعني بالناس هنا أعضاء الجماعة وأنصارهم في التيار الإسلامي
العام والمواطنين الذين منحوا مرشحي الإخوان وممثليهم أصواتهم على مدار عقود خلت
من الزمن.
4- يتعين على الإخوان
مراجعة أدبيات الجماعة فيما يتعلق
بالعمل الوطني وتطويره لكي يكون مناسبة للمرحلة المقبلة في ما بعد سقوط الديكتاتور
والديكتاتورية، وأن يتم تطوير منظومة التثقيف داخل الإخوان بحيث تغطي كافة الجوانب
الثقافية ولا تقتصر على ثقافة واحدة، بل يترك للعاملين في الإخوان مجال للإبداع
والمساهمة الفكرية الحقيقية في الشأن العام، وهو أخطر ما تملكه الدول وتؤثر به في
محيطها الإقليمي والدولي. وذلك لا يعد خروجا على الناموس ولا فكرة التيار الإسلامي،
فالأدب والإعلام والفن بضوابطه مساحة إنسانية مشتركة والتأليف والإبداع كذلك.
أما بالنسبة للسياسة، فيتعين على الإخوان من اليوم -وهذا
متأخر بالطبع- أن يؤهلوا منتسبيهم سياسيا من الناحية النظرية والعملية، وإن ضاق
المجال بسبب تضييق السلطات بطيعة الحال. وهذا التأهيل لا يعني بالضرورة تحول
الجماعة إلى حزب، بل إنتاج مواطنين أكثر وعيا بحقوقهم وواجباتهم تجاه البلاد
والعباد ومن قبل ذلك تجاه دينهم وعقيدتهم.
5- من ناحية التنظيم، فالواجب تطوير اللوائح وإبعاد من
ثبت عدم قدرته في التنفيذ، وإن حاز ثقة من انتخبوه في الشورى والمجالس الأخرى داخل
التنظيم. وهذا ليس افتئاتا على الشورى بل تطبيق صحيح لها، فليس هناك معنى لأن يتم
حجز مقعد دائم لشخص لا حضور له، وهذا متكرر للأسف.
إن مراجعة جماعة الإخوان لمشروعها الفكري في ضوء ما جرى بناء على مراجعتها
بعد إعلانها -وأتمنى أن يكون ذلك قريبا كما علمت من بعض قيادات الإخوان- وإعادة
هيكلة الجماعة تنظيميا وجعلها مؤسسة شفافة تتوافق مع القانون والدستور (حال عودة
الدستور والقانون والنظام إلأى المسار الطبيعي والصحيح)، وابتعادها عن ممارسة
السياسة الحزبية التنافسية؛ سيؤهلها للعب دور كبير وعظيم في صناعة المستقبل رغم كل
ما ترونه وتسمعونه من ضجيج وسباب ولعنات؛ لأن الجميع يعلم ويقدر حجم ومكانة الإخوان
في الواقع المصري وغيره من الدول، ولكن سيبقى خطاب الكراهية للجماعة موجودا وإن
اختلف حجمه وتباينت قوته من وقت لآخر، فالكارهون للمشروع الاسلامي لن يعدموا الحجة
أبدا.
في المقال المقبل إن شاء الله نناقش ماذا يجب أن يفعله الآخرون لإدراك طريق
الخروج بالبلاد من مأزقها وكبوتها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.