"إن القيادة
الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، هي قيادة الدولة وليست قيادة عامة للقوات
المسلحة فقط" (الجنرال
السيسي أثناء تفقده مركز القيادة
الاستراتيجي في العاصمة الإدارية الجديد في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2024).
ذكرنا في المقالين السابقين أنه من المهم توصيف الوضع الراهن توصيفا دقيقا
يناسب ما يقوم به الجنرال من إجراءات على أرض الواقع، حتى لا نقع في فخ أنه بلا
رؤية وبلا خطة. والحقيقة أن لديه خطة ربما تطورت لاحقا بعد فترة الرئاسة الأولى
والتي تم تمديد فترتها لتصبح ست سنوات بدلا من أربع، بعد أن اكتشف حجم الهوة التي
سقط فيها بتصريحاته عن إلمامه ومعرفته بكل مشكلات البلد وقدرته على حلها.
لقد تصور الجنرال أن
الجيش بصفته الدولة العميقة يمكنه أن يكون الحل لكل
الأزمات، بدءا من نشره في ست ساعات للقضاء على أي تمرد وانتهاء بتكليف الجيش بهدم
وإزالة كافة المباني الأهلية والتوسعات العمرانية دون مراعاة للمشكلة السكانية،
وتصور أنه بمقدور الجيش بناء عشرات الآلاف من الوحدات السكنية (أنا أقدر أعمل
مليون شقة في سنة واثنين) وبيعها للشعب؛ في منافسة واضحة للقطاع الخاص من ناحية،
وللجهود الأهلية والبناء الذاتي الذي يقوم به آحاد الناس في مختلف بقاع الوطن من
ناحية ثانية. إن هذا التصور وحده كفيل بشرح وفهم ما يدور في ذهن الرجل، فهو يريد
أن يسيطر على كل شيء ويدير كل شيء حتى وصل به الأمر أن قال: "إن الرئيس مسئول
عن دين الناس وأخلاقهم"، وهو قول حق أريد به باطل، ذلك لأن الحاكم أو الإمام
راع ومسئول عن رعيته بمعنى تسهيل أمور حياتهم الدنيوية وليس تحويلها إلى جحيم، كما
أنه ليس مسؤولا عن النسخة الدينية أو الفقهية التي يتعاملون بها وإلا فما فائدة
الأزهر الشريف والعلماء والمؤسسات الفقهية والفكرية.
نظرية الجنرال هي تغيير مفهوم الدولة من دولة مؤسسات لها صلاحيات وعليها واجبات إلى مفهوم مركزي جديد هو دولة المؤسسة الواحدة واللون الواحد، والتي ليس عليها واجبات تجاه الشعب وتتمتع بكافة المزايا والصلاحيات وليس عليها رقيب ولا حسيب
يبدو لي بعد مرور هذه الأعوام منذ الانقلاب أن الجنرال الحاكم يخطو على
طريق معمر القذافي، بمعنى تصوره عن نفسه وهذا مهم، فالقذافي لم يكن يرى نفسه رئيسا
وبالتالي فلم ينتخبه الشعب وليس للشعب سلطة عليه، وهذا ما حاول الجنرال في
مصر
ترسيخه. فهو لا يرى نفسه رئيسا منتخبا ويكره ذلك ولا يذكره في خطاباته السياسية،
بل يرى نفسه زعيما مختارا من الله لإنقاذ مصر ولولاه لجرت الدماء في شوارع مصر
جريان النيل بطول البلاد من منبعه حتى المصب.
يشبه الجنرال السيسي العقيد القذافي في تصديه للمسائل الدينية التي تحتاج
إلى علماء حقيقيين لكي يدلوا بدلوهم فيها، وليس مجرد ضباط لديهم نزعة صوفية ظنوا
أنهم بها يقدرون على حسم مسائل استعصت على فقهاء الأمة عبر العصور، مثل مسألة
الطلاق الشفهي وتعدد الزوجات ومسألة المواريث وحقوق الزوجين بعد الطلاق. وأراد
الجنرال أن يحسم الأمور بطريقة ترضي الغرب والتيارات النسوية والحملات التغريبية
حتى يقال إنه رجل عصري غربي. وعلى مدار اثني عشر عاما دخل في خصومة علنية مع
الأزهر وإمامه، وشجع مجموعة من خريجي الأزهر غير المعتبرين ومجموعة من الشيوخ
المصنوعين تحت أقبية المخابرات للتصدي للأزهر وشيخه في مسائل باتت معلومة من الدين
بالضرورة.
الفارق بين القذافي والجنرال أن القذافي كانت لديه أوهام الزعامة الإسلامية،
فقد كان يرى نفسه إماما للمسلمين في أفريقيا بعدما صعب عليه أن يكون إماما
للمسلمين العرب في ظل تصدي السعودية لمشروعه السياسي، وهو أمر انتهى بسحله بعد أن
قام الشعب الليبي بالثورة عليه، وبالطبع كانت دول الخليج في الصورة. أما السيسي
فيرى نفسه زعيما صوفيا اجتباه الله واختاره على عينه لإنقاذ مصر (الخلاف في النطاق
الجغرافي ولا خلاف على المضمون).
وإذا كان القذافي قد منّ على الشعب الليبي بأنه قائد ثورة الفاتح ولديه بعض
الإرث السياسي بسبب تلك الثورة أو الانقلاب، فإن القذافي كان قارئا ومثقفا، على
عكس الجنرال الذي يبدو لي وللجميع أنه لا يقرأ بل ويكره الثقافة والمثقفين
ويحتقرهم، كما عبّر غير مرة بأنه لا ينتظر أن يملي عليه أحد أفكاره لأنه من وجهة
نظر نفسه يعرف ويفهم ولديه المقدرة على فعل كل شيء.
هذا التصور الذي يصر عليه ويمنّ به على الشعب بأنه لولا جرأته وتصديه لما
زعم أنها مذابح يجهزها الإخوان للشعب إن لم ينقلب عليهم؛ جعله لا يلتزم بخطة ولا رؤية
بل ويرفض أي طريقة علمية معترف بها لإقامة المشاريع، وليس أدل على ذلك من تصريحه
الكارثي "لو انتظرت دراسة الجدوى لم نكن لننفذ ربع ما قمنا بتنفيذه".
إذن كان خيار الجنرال هو نقل الدولة ومؤسساتها إلى مكان آخر يسهل عليه به
التحكم في كل شيء، بمعنى أنه لا يريد نقل الدولة أو توزيعها كما كان يفعل مبارك بل
يريدها مركزية في مكان واحد مع تفكيك تدريجي لهذه المؤسسات الراسخة والقديمة بغض
النظر عن درجة قوة وتحكم كل مؤسسة في الحياة العامة. فعلى سبيل المثال كان مبارك
يوزع السلطات المدنية بين الجيش والشرطة والمخابرات ويبقي القليل ليمنحه لبعض
المقريبن من غير العسكريين أو الأمنيين، لكن ينظر الجنرال بحالة من الشك والريبة
الى الجميع، فهو ورغم أنه قادم من مؤسسة عسكرية إلا أنه لا يثق في هذه المؤسسة مثل
ثقة مبارك والسادات فيها من قبل، بل على العكس، يتعمد الجنرال إهانة رموز العسكرية
السابقين مثلما فعل مع رئيس الأركان السابق سامي عنان الذي تجرأ على مقام الجنرال
وحاول الترشح أمامه فكان رد الجنرال "أنتم فاكرين إن أنا هاسيبها والا ايه،
لا والله"، أو كما فعل مع المرشح الرئاسي السابق الفريق أحمد شفيق، أو مع
العميد مهندس أحمد قنصوة الذي وبمجرد أن أعرب عن ترشحه للرئاسة زج به في ظلمات
السجن ولا يزال قابعا فيه رغم انتهاء فترة محكوميته.
كما ذكرت آنفا، فنظرية الجنرال هي تغيير مفهوم الدولة من دولة مؤسسات لها
صلاحيات وعليها واجبات إلى مفهوم مركزي جديد هو دولة المؤسسة الواحدة واللون
الواحد، والتي ليس عليها واجبات تجاه الشعب وتتمتع بكافة المزايا والصلاحيات وليس
عليها رقيب ولا حسيب. وحتى مفهوم
السياسة والحياة السياسية يعمد الجنرال الى
تفكيكه وتغييره من الوضع التقليدي المتعارف عليه؛ من وجود أحزاب متنافسة تسعى
للوصول إلى السلطة إلى وجود أحزاب شكلية تسعى لدعم السلطة الحاكمة وهي
الجنرال في الأساس، مع إلغاء مفهوم المعارضة خصوصا وأنه لا يوجد نظام سياسي
وبالتالي فلا داعي للمعارضة.
هذه النظرة الأحادية جعلت الجنرال يفكر فيما يسمى بالكيان العسكري (مركز
القيادة الاستراتيجي) وهو مقر عسكري يحتل مساحات واسعة (22 ألف فدان = 92 كم مربع)
في العاصمة الإدارية، وهو أكبر من البنتاجون في أمريكا، ويضم في داخله عدة مراكز
مهمتها الأساسية هي توفير البيانات والمعلومات والسيطرة والتحكم المركزي في كل شيء
تحسبا لمواجهة أي تحرك جماهيري محتمل، وهذه المراكز هي:
* مركز
البيانات الاستراتيجية الموحدة- يحتوي على كافة بيانات مؤسسات الدولة.
* مركز التحكم
للشبكة الاستراتيجية- يسيطر على الجهاز الإداري للدولة.
* مركز إدارة
وتشغيل المرافق الحكومية- يسيطر على وكالات ومرافق الدولة.
* مركز التحكم في
شبكة الاتصالات - يضمن استقرار الاتصالات على الصعيد الوطني.
* مركز الطوارئ والسلامة- يدير خدمات الطوارئ وخدمات
الأمن الميداني.
* كما يضم مركزا للتنبؤات الجوية- يقوم
بتجهيز مركز دفاع الدولة في حالة حدوث أي كوارث طبيعية.
يرى الجنرال أنه مركز
الحكم والسلطة والسيطرة اليوم وغدا. نحن هنا لا نتحدث
عن دور للجيش المصري كما قد يتوهم أو يتوقع البعض، بل نتحدث عن استخدام الجنرال
للجيش لتنفيذ خطته في تغيير شكل الدولة من صورتها الحالية على ضعفها إلى صورة
جديدة تماما؛ يتحكم فيها شخص واحد وتلغى فيها كافة المؤسسات والوزارات والهيئات،
ويلغى فيها دور المحافظات كوحدات محلية ذاتية الحكم ولها ميزانيات؛ كل ذلك جار
شطبه وبخطة محكمة. فعلى سبيل المثال، فوزارة الزراعة التي من المفترض أن تقوم
باستصلاح الأراضي وتنمية المحاصيل الزراعية لا يعرف أحد اسم وزيرها، بينما طفا على
السطح اسم عقيد طيار (بهاء الغنام)
الجنرال يحاول كسب الوقت وأن عمره السياسي أقصر من أن ينجح في استكمال فكرته التي تحول مصر إلى إمارة أو عزبة أو ثكنة أو لجنة مركزية على غرار الحكم الشيوعي
أُسند إليه مشروع زراعي ضخم، وتم إنشاء شركة
اسمها "مستقبل مصر" لكي يحل محل الوزارة ويكون الجهة المعنية بإدارة ملف
الزراعة في مصر! وهذا أمر عجيب، فالمشروع الجديد (مستقبل مصر) لا علاقة له بمجلس
الوزراء ولا بوزارة الزراعة، بل هو مشروع مرتبط بالحاكم والمركز القيادي الجديد
للدولة.
وحتى في المناسبات التي يكون حاضرا فيها بعض الوزراء أو المحافظين يتعمد
الجنرال إحراجهم بأسئلة مفاجئة ثم يمنح الميكرفون لأحد القادة العسكريين للحوار،
مع إهمال الوزير أو المحافظ المدني.
في ظل كل ما ذكرته نعود إلى السؤال الذي طرحته في المقال الأول، وهو قدرة
النظام الحالي بهذا الشكل الذي شرحناه على البقاء والاستمرار ثم كيفية الخروج من
هذا المستنقع؟
والحقيقية أن هذا أمر شرحه يطول ويستحق أن نشرح بالتفصيل كيف يمكن للنظام
الذي ابتكره السيسي تحت عنوان القيادة الاستراتيجية الجديدة في العاصمة الإدارية
أن يكمل خطته ويمضي في طريقه، ولكن لا بد أن نتحدث عن كلفة استمرار ذلك الوضع
وتأثيره على مستقبل مصر الدولة، وليست السلطة التي من المفترض أنها متغيرة بحكم
إرادة الشعب ونتائج الانتخابات.
ما أراه في الوقت الراهن أن الجنرال يحاول كسب الوقت وأن عمره السياسي أقصر
من أن ينجح في استكمال فكرته التي تحول مصر إلى إمارة أو عزبة أو ثكنة أو لجنة
مركزية على غرار الحكم الشيوعي، وما أعتقده أنه ولو استمر السيسي في السلطة لما
بعد عام 2030، كما يخطط هو ورفاقه من خلال الترويج لتغيير أو تعديل الدستور حتى
يتمكن الجنرال من البقاء ليرى حصاد مشروعه التدميري للدولة وابتلاعها في بطن نظام
جديد، فقد أثبتت التجربة أن هذا النظام غير قابل للحياة وإن لم يكن صعبا إيجاده، لماذا؟
هذا ما سوف أناقشه في المقال القادم بإذن الله.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.