هل يعزل السيسي شيخ الأزهر بتعديل الدستور؟!

عصام تليمة
ليس مستبعدا على تفكير السيسي وسياسته، أن يفكر في كل شيء معا، وأن يغتنم الفرصة، لحرمان الأزهر شيخا ومؤسسة من الصلاحيات التي أعطيت له من خلال دستور ثورة يناير..
ليس مستبعدا على تفكير السيسي وسياسته، أن يفكر في كل شيء معا، وأن يغتنم الفرصة، لحرمان الأزهر شيخا ومؤسسة من الصلاحيات التي أعطيت له من خلال دستور ثورة يناير..
شارك الخبر
تتحرك في الآونة الأخيرة الأذرع الإعلامية والسياسية المساندة للسيسي، وذلك بالدعوة لتعديل الدستور المصري، كي يتيح للسيسي الترشح لمدد رئاسية، أسوة بما كان ينوي السادات فعله، وبما طبقه بالفعل مبارك، وظل يحكم ثلاثين عاما، ولم تكن هناك انتخابات رئاسية، بل استفتاء، عدا مرة واحدة، بضغط أمريكي.

ومما ينتشر ويذيع أن من ضمن نوايا السيسي ورجاله، استهداف شيخ الأزهر، وذلك بتغيير النصوص المتعلقة به في الدستور، سواء من حيث البقاء في المنصب، أو من حيث شروط الترشح، وبات التساؤل المطروح والمشروع معا: هل يمكن للسيسي أن يفعلها؟ وهل يفكر بالأساس في الموضوع، أم أنه مشغول فقط بمعركة الرئاسة؟

تاريخيا لم يحم شيخ الأزهر من تنكيل السلطة به، أو عزله، سوى الحاضنة الشعبية، وهو ما يعزز مكانة الشيخ، ويحميه من محاولات عدة للتضييق عليه، أو الضغط عليه للاستقالة، أو النيل منه شخصا ومكانة ومشيخة، وأسهم الشيخ الطيب منذ سنوات في ارتفاع..
بداية ليس مستبعدا على تفكير السيسي وسياسته، أن يفكر في كل شيء معا، وأن يغتنم الفرصة، لحرمان الأزهر شيخا ومؤسسة من الصلاحيات التي أعطيت له من خلال دستور ثورة يناير، والتي لم ينلها الأزهر في تاريخ حكم العسكر، من حيث التحصين، ومن حيث المكانة، سواء الإدارية أو الشعبية أو السياسية.

وقد جرت معركة منذ سنوات بين السيسي والمشيخة، بعد وصول بايدن لحكم أمريكا، فقد كانت مدة بقاء مفتي مصر السابق الدكتور شوقي علام قد اقتربت على الانتهاء، وكانت رغبة السيسي في بقاء علام، ولكن رغبة الأزهر وهيئة كبار العلماء على عكسه، وقد بادرت هيئة كبار العلماء بترشيح ثلاث شخصيات، ليس من بينهم شوقي علام، وأبلغت المشيخة السيسي بذلك، الذي صدم، حيث كان قد وعد علام بالتمديد له.

في هذا التوقيت جاء رئيس أمريكي جديد، لا يعلم موقفه وسياسته من مصر والسيسي، فأرجأ السيسي المعركة، وفوت الفرصة، بأن مدد لشوقي علام ثمانية أشهر، ثم سنة، ثم سنة أخرى، ثم جاء تعيين المفتي الحالي الدكتور نظير عياد، والذي ليس من خريجي كلية الشريعة، ليكون مفتيا، وكان بترشيح من المشيخة في إجراء لم يفهم هل كان تهدئة مع المشيخة، أم كان تمريرا لتعيين أسامة الأزهري وزيرا للأوقاف.

وهل كان هذا الإجراء حلا وسطا، فيكون السيسي لم يعين أحد الثلاثة الذين اختارتهم هيئة كبار العلماء، حتى لا يشرعن مبدأ الانتخاب، ويمضي اختيار شيخ الأزهر للمفتي، ويتم تعيين أسامة الأزهري والذي يعد منذ مدة لذلك، بل استخدم كأداة للنظام للنيل من شيخ الأزهر، في مشهد سلطوي واضح، برز ذلك في أكثر من موقف، منه مقال كتبه في جريدة الأهرام يبكت الأزهر بأن الدولة تستدعيه ولا يستجيب، يلمح بذلك إلى رفض الأزهر تكفير جماعات جهادية، وحين كان في مؤتمر جروزني ورفض فيها إخراج السلفية من أهل السنة والجماعة، وغيرها من المواقف.

هذا العرض التاريخي الموجز لمواقف معينة من علاقة المشيخة بالسيسي، المقصود منها كان خروج الطيب عن صمته، وأن يلوذ بالاستقالة، لينجو من هذه الحرب الإعلامية، فتارة أسامة الأزهري مستشار السيسي، وتارة الأذرع الإعلامية عمرو أديب وغيره، في مشهد عبثي لا يليق بالأزهر شيخا ومؤسسة، حتى وصل الحال بشيخ الأزهر بالشكوى، أن الأزهر توجه له الاتهامات، والإساءات، ولا يسمح للأزهر ولا لرجاله بحق الرد في الإعلام، وهي شكوى توضح طبيعة المعركة، بأن السلطة تريده أن يستقيل.

هناك سوابق في علاقة الأزهر بالحكم العسكري، وإجبار شيخ الأزهر على الاستقالة، بحجة الظرف الصحي الذي يعوقه عن أداء مهامه، حدث ذلك حين كتب الشيخ الشعراوي كلمة لشيخ الأزهر حسن مأمون، وكانت بعد نكسة 1967م، ووضع فيها الشعراوي المسؤولية في رقبة القيادة، وأن من نعم الله علينا أننا هزمنا، وحالنا بئيس دينيا، وأن النصر كان سيؤدي حتما إلى فتنة في الدين، إذ كيف ننتصر وقد أعطينا ظهرنا للشرع. وهي التي عبر عنها الشعراوي فيما بعد في حوارات، بأنه سجد لله شكرا على الهزيمة
.
ألقى الشعراوي الكلمة التي كتبها نيابة عن شيخ الأزهر، ولم تصمت المخابرات الحربية، والسلطة، فذهبوا لشيخ الأزهر وكلموه في ذلك، فأخبرهم بأن الشعراوي كتب وهو أيد ما كتب، ولم يجدوا بدًّا من أن يخرج شيخ الأزهر من منصبه، والظروف السياسية لا تسمح بهذا الإجراء، فقدم اعتذارا عن المنصب لظروفه الصحية، والشعراوي تم إعارته للجزائر.

فمن حيث السوابق التاريخية فهي موجودة، لكن المعركة كانت من قبل تكون بين الأزهر ورؤوس سياسة وفكرية، ولم يكن السجال بين رئيس الدولة وشيخ الأزهر، كما هو واضح وبين في حالة الشيخ الحالي، وقد سعى السيسي بكل ما أوتي من قوة أن يسترد كل ما نص عليه الدستور والقانون أن يكون بالانتخاب، وبخاصة فيما يتعلق بالمؤسسة الدينية.

فالإفتاء كان عن طريق هيئة كبار العلماء، وقد ألغى السيسي ذلك، وجعل دار الإفتاء ذات وضع خاص، ولم يعد بالانتخاب، وهو ما يفسر سر اختيار المفتي الحالي نظير عياد، بعد أن تجاهل السيسي ترشيح هيئة كبار العلماء، ولم يبق من المناصب الدينية سوى منصب شيخ الأزهر، فهل يمكن أن ينص التعديل الدستوري الذي يسعى إليه السيسي على تحديد فترات شيخ الأزهر، وعلى حق السلطة في عزله؟

يراهن البعض على أن الدستور يمنع ذلك، وهو كلام غير دقيق من حيث سياسة الأمر الواقع التي يمارسها السيسي، فوزير الدفاع كان محصنا بالدستور، ومع ذلك عزله السيسي، فالدستور لا يحمي شيخ الأزهر في هذه الحالة، وقد تم تعديل المادة الخاصة بالأزهر في دستور 2014م، بعد أن أصبح مستقلا ومحصنا في دستور 2012م، وهي معركة خاصها من قبل الشيخ الشعراوي حين كان وزيرا للأوقاف، وعز عليه أن شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود، وهو في مقام شيوخه، كان مكبلا بالقوانين، وكان في كثير من شؤون الأزهر يرجع فيه إلى وزير الأوقاف، فحمل الشعراوي مقترحا بقانون يتعلق بمشيخة الأزهر للرئيس السادات، فاتهمه بأنه يطمح بأن يكون شيخا للأزهر، فأخبره بحقيقة الأمر، وبأنه زاهد في هذا المنصب، لكنه لا يليق بمقام الشيخ أن يكون دون وزير الأوقاف، وكان ذلك سببا في خلع الشعراوي الزي والعمامة الأزهرية، وارتدى الزي والطاقية التي اشتهر بها في أخريات حياته.

في أزمة غزة، كانت تصريحاته رغم أنها وقفت عند حد التصريح، كانت ذات مردود قوي شعبيا، حيث كان رسميا هي البيانات الوحيدة التي تدعم حق غزة، وتهاجم جبروت الكيان الصيهوني، في ظل صمت معظم المؤسسات الدينية في العالمين العربي والإسلامي.
تاريخيا لم يحم شيخ الأزهر من تنكيل السلطة به، أو عزله، سوى الحاضنة الشعبية، وهو ما يعزز مكانة الشيخ، ويحميه من محاولات عدة للتضييق عليه، أو الضغط عليه للاستقالة، أو النيل منه شخصا ومكانة ومشيخة، وأسهم الشيخ الطيب منذ سنوات في ارتفاع، في أزمة غزة، كانت تصريحاته رغم أنها وقفت عند حد التصريح، كانت ذات مردود قوي شعبيا، حيث كان رسميا هي البيانات الوحيدة التي تدعم حق غزة، وتهاجم جبروت الكيان الصيهوني، في ظل صمت معظم المؤسسات الدينية في العالمين العربي والإسلامي.

الجهة الثانية التي تحمي شيخ الأزهر من هذا السيناريو، هي علاقاته بحكام الإمارات، فهو رئيس مجلس حكماء المسلمين، وهو كيان أسسته الإمارات، ليكون منافسا للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي كان يرأسه المرحوم العلامة القرضاوي، وفي ظل الحرب الدائرة والتي تشنها الإمارات على الإسلاميين وفي القلب منهم الإخوان، يظل حرص الإمارات على رموز دينية كبرى بقامة شيخ الأزهر، خاصة وأنه يحتفظ بمسافة معينة لا تجعله محسوبا مائة بالمائة عليهم، بخلاف شخصيات أخرى، انضمت للإمارات وكانت متألقة ولامعة، فأصبحت منطفئة، ومثار لغط، بل موضع هجوم من كثيرين، بخلاف شخصية الطيب، وهو ما يجعل حماية الإمارات لمقامه ومنصبه يزداد.

الجهة الثالثة التي قد تحول بين هذا السيناريو، وذلك من باب النصح للسيسي وليس المنع، هي الأجهزة الأمنية والسيادية في مصر، فهذه الأجهوزة دأبت منذ عهد مبارك، على الحرص على عدم ارتفاع أسهم مؤسسة دينية على حساب الأخرى، وكثيرا ما رأينا رئاسة الجمهورية في عهد مبارك تتدخل في بعض المواقف التي بدا فيها شيخ الأزهر السابق الشيخ محمد سيد طنطاوي في مواقف لا تليق بمقام المشيخة، فكانت تتدخل وذلك ليس حبا في الأزهر، بل لعدم اختلال الميزان العام بين الكنيسة والأزهر، وهو ما رأيناه في مواقف عدة متعلقة بالمؤسسة الدينية المسلمة والمسيحية.

وقد دعم موقف هذه الأجهزة مؤخرا، فيما طرح من شخصيات برلمانية وعامة، فيما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية، وقد لاحظ الجميع أن حضور الكنيسة كان واضحا، وغياب الأزهر كان مستفزا، وهو ما جعل الشعب يطلب كلمة الأزهر، فالعوامل الداخلية المتعلقة بالأجهزة، لا تدعم المساس بالمشيخة بهذا الشكل الفج، في ظل عدم المساس بالمؤسسة الدينية المسيحية.

هذا لا يعني استسلام السيسي من ناحية الأزهر، بل سيسعى كما سعى من قبل لتفريغ جل عوامل القوة من حول الشيخ، كما عزل عنه مستشاريه، والشخصيات القوية التي كانت تشير عليه، وتدعم موقف المشيخة محليا وعالميا، وتغيير قوانين هيئة كبار اعلماء، ربما للتخطيط لشيخ الأزهر القادم، حتى يكون تحت السيطرة الكاملة، وسيتركز جهد السيسي وأذرعه على معركة الرئاسة، وبقاء السيسي حاكما ما بقي على قيد الحياة، وتتأجل معركة الأزهر لحين آخر.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)