سطّرتُ
سطور هذا المقال بمناسبة انقسام بعض الآراء حول
فيلم "أوديسيوس"
لكريستوفر نولان، ومدى تطابقه مع الأسطورة الإغريقية، ولا سيما أنها مرجعه الأول
والأخير.
ويرى هذا
الفريق أن نولان لم يكن أميناً على أحداث الأسطورة، وأنه تحرك بذاته الإبداعية،
بالإضافة والنقصان، بل بالإضافة والتغيير.
وقد قادت
هذا الفريقَ الناقدة إيميلي ويلسون، التي رأت أن العمل يفتقر إلى العمق الفكري
وقوة الطرح الفلسفي، ويتسم بالسطحية والمغامرات المبهرة التي لا طائل من ورائها.
وقد كانت إيميلي قاسية في طرحها، شرسة في حراسة قدسية الأمانة تجاه النص، أي ملحمة
"الأوديسة" لهوميروس.
ورأى
الفريق الآخر، ومن بينهم كاتب هذه السطور، أن مسألة الأمانة تجاه أي نص إبداعي ليست
مقدسة؛ ففي النهاية نحن نقدم إبداعاً يقوده
خيال المبدع، ليضعنا أمام تجربة جمالية
بالدرجة الأولى، متحررة من مطابقة التاريخ والأسطورة وما إلى ذلك.
ألم تكن هذه الملحمة خيالاً إبداعياً؟! وعليه، فنولان حرّ فيما يضيف ويحذف ويغيّر، لأنه في النهاية نحن نرى العمل من خلال وجهة نظر مبدعه، وممهوراً بإمضائه
وقد
ذكّرتني هذه الواقعة بأيام دراستي في المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث كانت هذه
النقطة بالذات محل خلاف كبير بيني وبين أستاذي الجليل سعد أردش. وللذين لا يعلمون،
فسعد أردش من الحراس الشرسين لأمانة المخرج في تناول النص المسرحي، ويرى، شأنه شأن
غيره في هذا الاتجاه، أن أي تغيير في النص، بالإضافة أو النقصان، هو جريمة نكراء
تشطب على جهد المخرج وتضعه في قفص الاتهام. ولكنني، مع احترامي لوجهة نظر أستاذي،
أقف على الجانب الآخر من النهر.
وقد سجّل
كبار المبدعين انتصارهم على مسألة الأمانة المزعومة؛ فعلى سبيل المثال، تزخر أعمال
المخرج المسرحي الكبير بيتر بروك بكثير من الحذف والإضافة، والتغيير والتبديل، دون
أن يمسّ هذا بروح النص. وكذلك جيرسي جروتوفسكي، ويوسف شاهين في فيلم "صلاح
الدين الأيوبي"، على سبيل المثال، ومدى تطابق أحداث الفيلم مع الأحداث
التاريخية، وكثير من الأمثلة غيرها.
فبيت
القصيد هنا هو رؤية المبدع صاحب التجربة الجمالية. فنحن حينما نرى، على سبيل
المثال، مسرحية "هاملت" لشكسبير، لن نراها كما قرأناها، لكننا نراها من
خلال مخرجها الذي يطرح قراءته الجمالية لهاملت. ولهذا رأينا هاملت بمختلف الرؤى؛
فهناك هاملت الشرير، وهناك هاملت السياسي الباحث عن الحرية والحقيقة، وهناك هاملت
المفكر بسؤاله الوجودي الكبير: "أكون أو لا أكون؟!"، وهكذا..
المهم،
نعود لسبب هذا المقال، وهو فيلم نولان وما لاقاه من غضب البعض لعدم التزامه بملحمة
هوميروس. ونحن نتساءل: ألم تكن هذه الملحمة خيالاً إبداعياً؟! وعليه، فنولان حرّ فيما يضيف ويحذف ويغيّر، لأنه في النهاية نحن نرى
العمل من خلال وجهة نظر مبدعه، وممهوراً بإمضائه.
ولهذا، لا
أجد مكاناً لمقولة "الأمانة" الشهيرة تجاه النص سوى متحف الشمع..!!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.