بدايةً،
لا أتمنى لأي
مهرجان فني في مصرنا الحبيبة أن يتوقف، ولكن وصول
مهرجان الإسكندرية
السينمائي إلى هذه الحالة المزرية التي وصل إليها يجعلنا نتوقف لنتأمل ما كان عليه
وما أصبح عليه الآن..!
ولعلنا
هنا يجب أن نذكر أن مهرجان الإسكندرية يتبع الجمعية
المصرية لكتّاب ونقاد
السينما،
وهي جمعية أنشأتها وزارة الثقافة المصرية عام 1973، وأوكلت إدارتها إلى الكاتب
الصحفي كمال الملاخ.
ولعلنا
نذكر هنا أن السبب وراء إنشاء هذه الجمعية، التي تمخض عنها مهرجان الإسكندرية عام
1979، كان سياسياً؛ فقد اعتبرت القيادة السياسية وقتذاك أن جمعية نقاد السينما
المصرية، وهي جمعية سابقة على الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، شكّلت مع
غيرها بؤرة للقوى التقدمية واليسارية والناصرية آنذاك، وكانت تضم خيرة المثقفين،
مثل سمير فريد، وأمير العمري، ونبيل فرج، وكمال رمزي، ويوسف شريف رزق الله، ورؤوف
توفيق.
وفي ظل
الصراع المحتدم في السبعينيات بين قوى اليسار والنظام الساداتي، رأت القيادة
السياسية ضرورة إنشاء قوة مناوئة لجمعية نقاد السينما، فكانت الجمعية المصرية لكتّاب
ونقاد السينما، التي دعمتها الدولة المصرية بكل إمكاناتها.
ومع مرور
الوقت، تقلص دور جمعية نقاد السينما، وتعاظم دور الجمعية المصرية، خاصة بعد انتقال
كثير من أعضاء جمعية النقاد إلى الكيان الجديد، الذي ما لبث أن أصبح الواجهة
الرسمية للدولة، ولا سيما بعد إنشائه مهرجان الإسكندرية السينمائي.
تعاظم دور
الجمعية مرات ومرات، ولكن هذا الصراع الذي ظل محتدماً ومكتوماً بين الجمعيتين،
والذي كانت الغلَبة فيه -ولو مرحلياً- للجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، أخذ
منحى آخر مع مرور الوقت.
فبفعل
عوامل كثيرة لا مجال لذكرها في هذا المقال، وربما نفصّلها في مقال آخر، تبيّن أن
الضعف والوهن قد اعترى كلا الجمعيتين، وأصبح التنافس بينهما باهتاً وضعيفاً، لا
يكاد يُذكر، وهو ما انعكس على أداء كلتيهما وآلياتهما.
ولم يكن
مهرجان الإسكندرية السينمائي بمعزل عن هذا التدهور الذي طال أنشطة الجمعية كافة؛
فأخذ يذبل تدريجياً، ثم تسارع تدهوره، وتحديداً مع رحيل الكبار عنه، فلم يجد إدارة
واعية وحازمة، ملتزمة بدورها وفلسفتها، حتى انهار انهياراً كبيراً يدعو إلى الرثاء.
ولكننا
هنا لسنا بصدد العويل أو البكاء على اللبن المسكوب، وإنما نتطلع إلى التأمل
بموضوعية في ما آلت إليه الحياة السينمائية من وهن وضعف؛ فقد أصاب الضمور والعطب
كلتا الجمعيتين المعنيتين بالسينما، وغرقتا في وحل الخلافات الشخصية، والتنافس
العقيم على الاستئثار بالسلطة، وأوهام العظمة، وآفات الأنانية، وغيرها الكثير.
وهنا يظهر
السؤال الذي يطرح نفسه أمام هذا الواقع البائس: هل سيتم الإنقاذ، أم ستُهال الأتربة على كيانات كانت، حتى وقت غير
بعيد، فتيّةً قويةً عملاقةً؟!
الإجابة: نعم، سيتم الإنقاذ.. وهذا ما أتمناه وأطمح إليه..
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.