الأمل المفقود..!

هشام الحمامي
"فشلت الثورة العرابية التي سيحدثنا عن أسرار فشلها الزعيم عرابي نفسه"- AI/عربي21
"فشلت الثورة العرابية التي سيحدثنا عن أسرار فشلها الزعيم عرابي نفسه"- AI/عربي21
شارك الخبر
قبل قيام الثورة العرابية بقليل، وتحديدا في عام 1879م حدث في مصر أمر بالغ الخطورة والأهمية والقوة، ولم ينتبه له الكثير من المؤرخين والمفكرين والمثقفين، أو قل إنهم انتبهوا له، ولكنهم كانوا يريدون بقاء الحال على ما هو عليه!!.. ما هو هذا الأمر الذي "يغطرش" عليه الجميع ويتجاهله الجميع ويخاف منه أصحاب المصالح أجمعون؟ إنه تأسيس أول جمعية لـ"المقاصد الخيرية"!! لماذا تأسست؟ بغرض "التعاون على فتح مدارس للبنين والبنات، لجميع أبناء الشعب، ونشر المعارف، ليتزود بها الناس فتقاوم في داخلهم الأفكار الخامدة".

* * *

كان الوعي قد تشكل لدى الكثير من الإصلاحيين وعلى نحو واضح، أن الخطوة الأولى لـ"نهضة الشعب" وتقدمه، هي الارتقاء بـ"الإنسان" وأنه لا بد أن تتجه أفكار وأهداف الإصلاح إلى "الإنسان المصري" حيثما كان، لتعليمه وتوعيته وتربيته وتكوينه على أفضل ما يكون تكوين الرجال.

مفارقة "قوة الشعب" و"قوة الدولة" والجيش النظامي، سيحتفظ بها الإنجليز في أعمق أعماق وعيهم بهذا البلد العظيم، وسيعملون بكل قوة، في سنوات الاحتلال وبعد انتهاء الاحتلال، على أن لا يكون هناك "شعب قوي".. ولذلك حديث طويييييييييل! لقد انتبه اللئام إلى أن قصة "الانتصار".. مرتبطة بـ"قوة الشعب"

كان صاحب هذه الفكرة الراحل الكبير الخطير، عبد الله النديم رحمه الله (ت: 1896م)، وأخذ البادرة الأولى في هذا الهدف الكبير، وبعد أن أقام جمعيتين في الإسكندرية والقاهرة، اتجه إلى القرى والنجوع، وأخذ يدعو أصحاب الرأي والوجهاء إلى إنشاء جمعيات بهذا الشكل، وبالفعل تكونت وتألفت جمعيات كثيرة، ودخلها الناس بكثرة وانتشرت في ربوع البلاد..

* * *

لم يكمل النديم مساعيه ولا مقاصده ولا أهدافه، وسيكرر نفس الخطأ، الذي سيحكيه التاريخ كثيرا وطويلا عن الإصلاحيين في كل وقت، وهو "التعجل" ودائما سنجد معه "سوأتين"؛ سوء التقدير وسوء الحظ.. والثلاثة موصولون ببعض..!

فوجد في طريقه الزعيم أحمد عرابي رحمه الله وأصحابه، يتجهون إلى قمة الهرم بالقوة العسكرية سنة 1880م، فودع طريق "السير البطيء الهادئ ".. وانغمس بكل كيانه في الثورة العرابية.

* * *

فكرة الثورة والعنف والقوة في التغيير دون الحاجة إلى "التكوين الشعبي الصلب"، فكرة براقة وجذابة للغاية، خاصة إذا كانت مصحوبة بحالة تكثيف تاريخي كما كانت الحالة العرابية، التي كان على رأسها قادة عسكريين وأعيان وعمد ومشايخ.. لكن الشعب لم يكن هناك!.. وتلك كانت الكارثة.

وفشلت "الثورة العرابية" والتي سيحدثنا عن أسرار فشلها الزعيم عرابي نفسه في مذكراته المهمة ذات الأجزاء الثلاثة بعنوان: "كشف الأستار عن سر الأسرار في النهضة المصرية.. المسماة بالثورة العرابية"..

* * *

واحتلت إنجلترا مصر 1882م بعد فشل الثورة. وهذه هي المرة الثانية التي حاولت فيها إنجلترا احتلال مصر.. المحاولة الأولى سنة 1807م بقيادة ماكينزى فريزر، وفشلت.. والانتصار فيها كان لـ"المقاومة الشعبية" التي دعمها محمد علي وقتها، والذي لم يكن قد مضى على توليه سنتان..

وستكون المفارقة هنا صارخة بكل ألوان الصراخ.. كيف..؟؟ ذلك أن محمد علي سيقضى على هذه المقاومة الشعبية بنفسه فيما بعد!! قضى عليها تماما، حتى لا يعلو صوت على صوت "الدولة" و"رجل الدولة".

لكن ماذا حدث بعد 75 سنة من هذه المحاولة الإنجليزية الفاشلة التي هزمتها إرادة الشعب؟ ماذا حدث بعد أن أصبحت "الدولة" أقوى من "الشعب"؟ دخل الإنجليز القاهرة التي فشلوا في الاقتراب منها تحت حراسة الشعب، الشعب الذي طرد نابليون ومن بعده فريزر طردا مهينا..

مفارقة "قوة الشعب" و"قوة الدولة" والجيش النظامي، سيحتفظ بها الإنجليز في أعمق أعماق وعيهم بهذا البلد العظيم، وسيعملون بكل قوة، في سنوات الاحتلال وبعد انتهاء الاحتلال، على أن لا يكون هناك "شعب قوي".. ولذلك حديث طويييييييييل! لقد انتبه اللئام إلى أن قصة "الانتصار".. مرتبطة بـ"قوة الشعب"..

* * *

سنعرف الشيخ محمد عبده الذي كرر تجربه القوة والثورة مرتين!! مرة مع جمال الدين الأفغاني رحمه الله، ومرة مع عرابي رحمه الله.. وتعرض للسجن والنفي، ورأى بعينه انقسامات الحركة الوطنية، وحركة النخب والزعماء، والاختراقات السهلة لها بالإغراءات والمصالح..

وقد قال لنا في مذكراته المهمة: "إن السياسة أضاعت علينا أضعاف ما أفادتنا، وإن الأفغاني كان صاحب اقتدار كبير، لو صرفه ووجهه للتعليم لأفاد أكبر فائدة، وقد عرضتُ عليه ونحن في باريس أن نترك السياسة معا، ونعلم ونربي من نختار من التلاميذ، فأجابني الأفغاني: إنما أنت مثبط"..

* * *

ستأتي الخمسينيات، وستدخل مصر بعد كل هذه التجارب الثرية الخصبة، في أعوام شداد يابسات، زاخرة بالخيبات المتتاليات، وسيأتي للمصريين من يقول لهم بعد كل هذه التجارب الهائلة، أنه جاء ليعلمهم "العزة والكرامة"!! وسيتم تجريد الشعب من نفسه.. نعم من نفسه!

وسنتذكر هنا الخبرة الإنجليزية العتيقة عن الشعب القوى والانتصار..!! عملية تسليم وتسلم بارعة تمت وقتها، وسيخضع الجميع لسلطان "الدولة المهيمنة" بعد القضاء على كل الأحزاب والجمعيات، وتأميم الزراعة والتجارة والصناعة.

* * *
يصبح الشعب مجموعة من الأفراد المبعثرين هنا وهناك.. خُرسا صامتين.. حيث سيسود القهر والبطش والنفاق والانهيار الأخلاقي وانعدام الأمل وانتشار اليأس.. ثم الفقر والهزيمة

وسيصبح الشعب مجموعة من الأفراد المبعثرين هنا وهناك.. خُرسا صامتين.. حيث سيسود القهر والبطش والنفاق والانهيار الأخلاقي وانعدام الأمل وانتشار اليأس.. ثم الفقر والهزيمة..

سيرصد لنا الروائي الراحل نجيب محفوظ رحمه الله، كل هذه التحولات المرعبة الرهيبة، في روايته الشهيرة "المرايا"، وكيف تدحرج المجتمع وهبط واندحر من سنة 1919م إلى سنة 1970م..

يقولون إن هناك زمانين.. الزمن الذي نعيشه، وذاك الذي يذهب بنا إلى المستقبل! لكن السير فيه سيكون صعبا..

* * *

قلت للعفريت: أبدل كل أصحاب الصروح الفاسدة..

قال لي ما الفائدة..؟ سوف يأتي مثلهم، أو ربما أكثر منهم مفسدة.. إنما تختلف الأسماء، لكن المعاني واحدة.

قلت: ما الحل إذن..؟

قال: بسيط.. لو غدت "آمالكم" في "ذاتكم"..

(أحمد مطر)

* * *

"الأمل" فينا.. نحن.. بنا ومنا.. كما بدأ "النديم" ولم يكمل ما بدأ.. نعود ونبدأ ونكمل ما لم يكتمل..



المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)