حتى إشعار آخر..!!

هشام الحمامي
"كل ما خاف منه محمد علي بالفطرة كان أكثر ما سبّب الأضرار البالغة لمصر من بعده.. وكان السبب المباشر في احتلالها"- وزارة الثقافة المصرية
"كل ما خاف منه محمد علي بالفطرة كان أكثر ما سبّب الأضرار البالغة لمصر من بعده.. وكان السبب المباشر في احتلالها"- وزارة الثقافة المصرية
شارك الخبر
يتحرك الآن حولنا صراع في المنطقة على الجغرافيا حين "تختنق".. رأينا ذلك في هرمز، ونراه أيضا في باب المندب.. لكن تلك الحرب اللعينة لم تبدأ علينا بسبب ذلك، فالحرب علينا في الشرق هي قرار استعماري قديم ومستمر، وسنجد أنه يدور حول "العقيدة" و"الثروة".. أو "الإنسان والمكان".

"العقيدة"؛ ليس لأن لديهم عقيدة أفضل منها!!.. لا.. ولكن لأن تلك العقيدة تصنع إنسانا آخر، إنسانا معجونا من "الحرية والعدل والكرامة" يصعب السيطرة عليه وإخضاعه.. وهي صفات كلها مشتقة من حقيقة العقيدة كما نعلم.. حقيقة أن لا إله إلا الله، وحقيقة أن "الحياة الكاملة" هي حياة ما بعد الموت.. "يا ليتني قدمت لحياتي"..

و"الثروة".. مكنونة في كل متر مربع من ديارنا، بدءا من الموقع والموضع (كما سيقول لنا جمال حمدان بشروح ووضوح)، ونهاية بالزرع والضرع، ناهيك عن ثروات أعماق الأرض.. وسنرى كيف كان ذلك..

* * *

محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة (ت: 1849م)، كان لا يقرأ ولا يكتب، لكنه كان حين يفكر، تقوده فطرته وحاسته الطبيعية إلى الصواب. وسنجد أن كل ما خاف منه محمد علي بالفطرة كان أكثر ما سبّب الأضرار البالغة لمصر من بعده.. وكان السبب المباشر في احتلالها، وكل ما ترتب على هذا الاحتلال من كوارث..

كان الرجل قد اهتدى بـ"فطرته ونظره" إلى ما اهتدى إليه جمال حمدان بـ"عقله وعلمه"..! وهي حقيقة أن مصر في طول التاريخ وعرضه قِبلة الطامعين..

سيقول لنا العلامة حمدان في عمله العظيم "شخصية مصر": أما الموقع فهي قلب العالم المعمور، وهي ركن الزاوية بين القارات، وهي مفتاح جغرافيا لكل الأبواب، الشرق والغرب، البحر والبر. ويضيف: تفرد موقع مصر، صنع كل تاريخها.. القديم والوسيط والحديث بل والمستقبل أيضا!

* * *

اهتدى الباشا بفطرته الاستراتيجية إلى غلق أي باب من تلك الأبواب التي قد تأتي منها "ريح الأخطار".. فرفض حفر قناة السويس!! ورفض الاقتراض من البنوك الأوروبية.. وأقام مشروعه التاريخي الضخم في "أم الدنيا" بأموال مصرية خالصة..

صحيح أنه تعسف في معاملة الشعب، وصحيح أنه لم يكن صاحب مشروع حضاري يعتمد على أصل الأمة، وتاريخها العميق.. إلا أنه ترك خزينة الدولة وفيها ما يقرب من 90 مليون فرنك.. واجتمعت عليه دول العالم الاستعماري..

وكلنا نعرف ما حدث بعدها في معاهدة 1840م، والتي ستقرر في صمت ناطق أن حكم مصر "قرار دولي"!!.. وسيُفرض على وادي النيل "توارث" أسرة محمد علي للحكم حتى "إشعار آخر"..

لن يطول غياب الإشعار الآخر..!! كيف..؟

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد غرز "إسرائيل" في شرق الديار المصرية، وتحديدا في سنة 1952م، سيقوم السفير الأمريكي في مصر جيفرسون كافري بتوضيح كل ذلك..!! وسيقف بنفسه على تنفيذ "الإشعار الآخر"!!.. وفى حضوره "الكريم" سيقوم آخر حكام الأسرة العلوية، الملك فاروق، بتسليم مصر إلى "الضباط الأحرار"!!

* * *

ستدخل مصر بعدها في دوامة "الدوائر المغلقة".. وحتى "إشعار آخر"..!! وستكون البداية من قناة السويس!!

فسيتخذ "الزعيم الخالد" قرارا "منفردا" بتأميم قناة السويس، دون الرجوع إلى أي مؤسسة من مؤسسات الدولة العريقة كما قال المؤرخ الأكاديمي أ. د. خالد فهمي.. منتبها ومنبها لنا، إلى ما سيتبع هذه الحالة من "الانفرادية القاتلة"..

وسيضع الزعيم "كتالوجا" في حكم "الحديد والنار" لكل معاصريه، بل ولكل من سيأتي بعده، في عموم البلاد العربية، وستتتابع بعدها الكوارث من تلك الانفرادية القاتلة..

* * *

ستدور في "الغرف العالمية المغلقة" حوارات لن تطول، إذ كان العالم كله وقتها (تشرين الثاني/نوفمبر 1956م) في همّة ونشاط سريعين، لتبديل مراكز بمراكز، وقوى بقوى أخرى..

وستحدث حرب السويس، والتي كان لا بد لها أن تحدث.. لماذا؟ لأنها سترسم ملامح الوجه الجديد للشرق الأوسط، كما يُراد له أن يكون..!! وما حدث في تلك الحرب سنة 1956م سيتكرر بعنف أشد وأخزى في 1967م، وستتعملق "إسرائيل"، لتفرض بعدها (وبرعاية غربية كاملة) سلامها على من حولها.. سلام السيطرة والهيمنة على "الإنسان والمكان".. "العقيدة والثروة".

* * *

كل ذلك كان مرسوما على الورق، يتحرك قليلا ذات اليمين، وذات الشمال.. لكنه لن يخرج أبدا.. أبدا؛ عن "السيناريو" المرسوم.. وستكون "حقيقة الحال" على الأرض هي الدليل الواقع والشاهد الساطع، التي تلجم وتفحم كل كذاب لئيم.

استحضر في خيالك أي دولة في المنطقة، وانظر إلى "الفرقعات والطرقعات" التي حدثت فيها وبها ومن حولها في القرن الماضي.. ثم انظر إلى الواقع الذي انتهت إليه بعد تلك الفرقعات والطرقعات.. سنرى مشهدا مؤلما وهائلا من الملايين العربية الحاشدة، التي تبحث في يديها عن يديها، وتتلفت حولها تبحث عن نفسها!!

كل ذلك أخذ مداه طويلا وكأنه الحتم المقدر، وما هو كذلك.. لكنه الإهمال اللعين لسنن التاريخ وطبائع الأمور.

* * *

وما كان "طوفان الأقصى" إلا ليشير للدنيا كلها إلى ذلك، ليس بالخطب ولا البيانات، ولكن باللحم والدم والبذل والتضحية بـ"كل شيء".. كل شيء حرفيا..

وها هي "إسرائيل" تتحول إلى "المنبوذ العالمي" والقادم أسوأ لها ولمن يدعمها.. وعلى الجانب الآخر سنرى إن شاء الله الأثر لهذا البذل وهذه التضحية في وعى "الأمة الصاعدة" فهما للتاريخ، وعملا بقوانينه.. قل عسى أن يكون قريبا..

x.com/helhamamy


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)