هل تستطيع الصين إنقاذ قناة السويس من الغرق؟

ياسر عبد العزيز
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
في عام 2015 وتحديداً مع افتتاح التفريعة الجديدة لقناة السويس، أعلن رأس النظام في مصر أن زيادة إيرادات القناة المباشرة المنتظرة ستقفز من 5.3 مليار دولار سنوياً، وهو الرقم المحقق بالفعل عام 2014 لتصل إلى نحو 13.2 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2023، وعلى الرغم من التأكد من تراجع إيرادات القناة، فإنه لا يمكن تأكيد تحقيق القناة هذه الإيرادات، حتى على لسان المسؤولين. واليوم عادت الأرقام لتتحدث مرة أخرى مع أزمة حرب إيران وأزمة مضيق هرمز ثم حرب اليمن الآن وأزمة باب المندب، ومن قبلهما الحرب في غزة.

مع الضربات التي كانت تنفذها جماعة الحوثي ضد السفن الداعمة للاحتلال الإسرائيلي خرج السيسي بتصريح عن تراجع إرادات القناة لعام 2024، إذ أكد أن مصر خسرت نحو 7 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس خلال العام، ليخرج رئيس هيئة قناة السويس في تصريح بعده ليفند الخسائر شهرياً، ويجملها في رقم ربع سنوي حدده في 1.52 مليار دولار، وهو رقم لو تم جمعه بمتوسطاته لن يصل للرقم الذي أعلن عنه رئيسه، مع ذلك فإن الشاهد، أن القناة تحقق خسائر يبدو أنها تتزايد مع تصاعد الهجمات في عقدتين بحريتين مهمتين لوصول السفن لقناة السويس، ومع ذلك استمر النظام المصري في مشروعه رغم الخسائر.

منذ اندلاع هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر تباعا مع الحرب في إيران وأزمة مضيق هرمز، أصبحت القناة بتفريعتها ومسارها الأساسي في أزمة أكبر من أزمة المضائق نفسها، زادت بعد أزمة باب المندب الذي يعد البوابة الرئيسة التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومن ثم ربط أوروبا بآسيا عبر قناة السويس

مصر التي استطاعت أن توسع مجرى قناة السويس، طمعاً في زيادة قدراتها الاستيعابية، لا تستطيع ضمان مرور السفن عبر التفريعة الثانية التي تكلفت حفرها من أجلها، فمنذ اندلاع هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر تباعا مع الحرب في إيران وأزمة مضيق هرمز، أصبحت القناة بتفريعتها ومسارها الأساسي في أزمة أكبر من أزمة المضائق نفسها، زادت بعد أزمة باب المندب الذي يعد البوابة الرئيسة التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومن ثم ربط أوروبا بآسيا عبر قناة السويس.

الأزمة الأكبر للقناة ليست في الحرب، ولكن بحث الجميع عن بدائل للقناة ومسارها الذي أصبح خطراً على ثلث نفط العالم و20 في المئة من تجارته، فلم تعد السفن إلى الطريق القديم، عبر رأس الرجاء الصالح، بل بدأت الدول في مد سكك الحديد، وممرات مائية جديدة تجنب تجارتها مخاطر الحرب، وهو ما يعني على المدى البعيد فقدان القناة لأهميتها الاستراتيجية التجارية والعسكرية، وقد كتبنا في ذلك مقالا بعنوان "سيناريوهات استهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر" منذ ثلاثة أعوام.

أظهرت بيانات رويترز في تموز/يوليو 2026 أن بعض ناقلات النفط تسلك طريق رأس الرجاء الصالح الذي يزيد مدة الرحلة 29 يوماً، وزيادة التكلفة 1.6 مليون دولار، مفضلة ذلك على المرور في طريق تراه غير آمن بالمرة. وهنا تدخل الصين في المعادلة، فالصين أكثر الدول ارتباطاً بقناة السويس، إذ تعتمدها في نقل تجارتها لأوروبا، لذا فإن استمرار اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، يرفع تكلفة التجارة الصينية المتوغلة في العالم بأسعارها الرخيصة، من ثم عليها أن تفعّل أوراقها المتمثلة في علاقاتها الجيدة مع إيران، وتلوح بقاعدتها الموجودة في جيبوتي في الساحل الأفريقي للبحر الأحمر، ما جعل القاهرة تأمل أن يستخدم التنين الصيني قوته لإعادة ترتيب الأوراق وتهدئة الأوضاع لعل وعسى تعد الملاحة للقناة.

إلا أن الفائت في حسابات القاهرة أن الصين ترغب بشدة في تهدئة الأوضاع وعودة الاستقرار، من ثم عودة طرق تجارتها المعتادة، ما يصب في مصلحة القاهرة، إلا أنها وفي نفس الوقت غير مستعدة لتحمل أعباء أمنية أو عسكرية للوصول لهذا الهدف، لذا فإنها بدأت بالفعل في بناء بدائل لمضيقي هرمز وباب المندب، بتوجيه تجارتها إلى طرق بديلة يجنبها مخاطر العبور في هذا الطريق، بما يعكس إدراك الصين بأن الأزمة لن تكون عابرة، لكنها أدركت أن طريق رأس الرجاء الصالح ليس البديل الاقتصادي الأفضل، مع زيادة التكلفة، ما جعلها تعيد بعض رحلات سفنها منذ 14 الجاري إلى الطريق القديم بتفاهمات مع إيران.  

أكد على مكانة قناة السويس الاستراتيجية كركيزة لمبادرة "الحزام والطريق" وشريان أساسي للتجارة الصينية نحو أوروبا وأفريقيا. واللافت أن الصين وقعت اتفاقية تبادل مالي عبر العملات المحلية لتسهيل التمويل، مع ذلك فإن زيارة الرئيس الصيني لن تنقذ القناة، فالصين لا تعبر القناة وحدها

وعلى الرغم من أن أزمة القناة بدأ تتفاقم، فإن اللافت أن النظام يتحرك جديا، في نزع فتيل الأزمة في إيران، في حسابات غلبتها المصالح السياسية على المصالح الاقتصادية، فهناك من دول الإقليم وكياناته من يرغب في استمرار الحرب، لكن النظام في المقابل لم يقابل ذلك بطلبات تعويض من هذه الدول والكيانات، ويتحمل وحده تبعات هذه الحرب وخسائرها، في مقارنة حاضرة بين موقف نظام مبارك من حرب الخليج والموقف الراهن.

في مطلع الشهر الجاري أجرى الرئيس الصيني شي جين بيج، زيارة للقاهرة، وقع خلالها أكثر من 20 مذكرة تفاهم لاتفاقيات تتنوع بين الطاقة والتصنيع والتطوير النسيجي، لكن الأهم هو مصير مسار التجارة الصينية عبر قناة السويس، وأكد على مكانة قناة السويس الاستراتيجية كركيزة لمبادرة "الحزام والطريق" وشريان أساسي للتجارة الصينية نحو أوروبا وأفريقيا. واللافت أن الصين وقعت اتفاقية تبادل مالي عبر العملات المحلية لتسهيل التمويل، مع ذلك فإن زيارة الرئيس الصيني لن تنقذ القناة، فالصين لا تعبر القناة وحدها.

في تقرير لمعهد الشرق الأوسط، تمثل إيرادات القناة من مرور السفن الصينية حوالي 10 في المئة من إجمالي ما تحصله القناة من مرور السفن خلال العام.

إن إنقاذ قناة السويس، التي بدأت "تشيخ" في ظل المشاريع البديلة، لن يكون على يد الصين وحدها، ولكن من خلال الانخراط الحقيقي في أزمة المضائق، واستعادة زمام المبادرة من دولة كبيرة في المنطقة لها مصالحها، وتمكنها من خلال قوتها الناعمة قبل الخشنة أن تعيد توازنات المنطقة لاسترجاع حقها في حركة تدفقات الطاقة والتجارة من خلال أحد أهم شرايين الملاحة في العالم، ولن يحدث هذا إلا بإرادة سياسية حقيقية مؤمنة بأهمية دور البلد الأكبر في المنطقة وقدرته على قلب الموازين لصالحها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)