حين تُسقط كرة القدم جدران الاستبداد

ياسر عبد العزيز
"المنافسات لا تتوقف عند حدود التشجيع، بل تمتد لتصبح منصة لكسر القيود وإيصال الرسائل"- AI
"المنافسات لا تتوقف عند حدود التشجيع، بل تمتد لتصبح منصة لكسر القيود وإيصال الرسائل"- AI
شارك الخبر
لطالما ساد في أدبيات أصحاب القضايا الوطنية، وحاملي هموم الأمة، رأيٌ راسخ يرى في كرة القدم، ولا سيما منافساتها العالمية ككأس العالم، أداةً مثالية في يد الحكومات والإمبريالية العالمية لإلهاء الشعوب. هي في نظرهم "أفيون الشعوب" الحديث الذي يُستخدم لتغييب الوعي عن قضايا التحرر، وتوجيه الأنظار بعيداً عن الأزمات الاقتصادية والسياسية الخانقة عبر الإغراق في تفاصيل المباريات والنتائج. ولم تقف حدود هذا النقد عند الإلهاء الفردي، بل تجاوزته إلى كشف الدور الذي تلعبه هذه البطولات في ترسيخ فكرة "الدولة الوطنية" بحدودها الضيقة، وبث نعرات الانتماء الإقليمي على حساب الرابطة الجامعة التي طالما نادى بها الفكر الإسلامي وحتى العروبي؛ حيث تُختزل الأوطان في راية تُرفع لـ90 دقيقة، أو حتى بعدها فيما لو فاز منتخب البلاد.

لطالما كانت هذه هي نظرتي أنا أيضاً، ولا أنكر، غير أن هذا التحليل النظري، رغم وجاهته وسياقاته التاريخية، غالباً ما يصطدم بالواقع الشعبي الذي يمتلك قدرة فائقة على تفكيك هذه الأدوات وإعادة توظيفها لصالحه. لم تكن الملاعب يوماً مجرد مساحة للمنافسة الجسدية، بل تحولت في لحظات فارقة إلى ساحات للتعبير عن الهوية والوجدان الجمعي، حتى صارت روابط المشجعين هدفاً للأجهزة الأمنية
القوة الكامنة في هذه المنافسات لا تتوقف عند حدود التشجيع، بل تمتد لتصبح منصة لكسر القيود وإيصال الرسائل التي تحظرها الأنظمة في أوطانها
في بلادنا، لما قد تحدثه من حالة وعي، تكشف المساحيق من وجوه الأنظمة المستبدة، كما أن هذه الساحات كشفت أيضاً عن روابط عميقة لم يُسمح لها أن تتكشف، ولا تعلن عن نفسها، رغم وجود وسائل التواصل الاجتماعي، وخير دليل على ذلك ما شهدناه في كأس العالم بقطر، حين تلاشت الحدود الجغرافية والسياسية فجأة، ووجدت الشعوب العربية نفسها، من المحيط إلى الخليج، تهتف بوجدان واحد وروح مشتركة خلف المنتخب المغربي، وهو يسطر ملحمته الكروية. لقد أحيت تلك اللحظات طموحاً مكبوتاً في الأنفس، وأثبتت أن الشارع العربي متعطش لانتصار يجمعه، وهو الطموح ذاته الذي يتجدد اليوم مع ترقب مباريات كأس العالم واحدة تلو الأخرى، حيث تبحث الشعوب عن نوافذ للتنفس والوحدة في زمن التشرذم الذي يراد له أن يسود.

إن القوة الكامنة في هذه المنافسات لا تتوقف عند حدود التشجيع، بل تمتد لتصبح منصة لكسر القيود وإيصال الرسائل التي تحظرها الأنظمة في أوطانها. وفي هذا السياق، جاءت المشاهد التي أعقبت مباراة مصر وأستراليا الأخيرة لتشكل صدمة إيجابية في الوعي الجمعي. فحين رفع مدرب المنتخب المصري، حسام حسن، العلم الفلسطيني في محفل رياضي عالمي، لم يكن يمارس طقساً رياضياً عابراً، بل كان يكسر حصاراً مفروضاً على الوجدان؛ فالعلم ذاته الذي يُمنع رفعه في شوارع مصر، ويُعتقل بسببه الشباب الغيور على قضايا أمته، رُفع عالياً أمام ملايين الشاشات. هذه اللقطة لم تمر عابرة، بل استدعت رد فعل فورياً من نجم الكرة التحرري ومحلل قنوات الجزيرة، محمد أبو تريكة، الذي بادر إلى تحية حسام حسن والثناء على موقفه، متجاوزاً بذلك جبال الخلافات السياسية والتموقعات الفكرية التي فرضتها السنوات العجاف الماضية.

هذا الموقف العفوي يعيدنا إلى التفكير في حجم المؤامرة التي حيكت ضد هذه الأمة. أكثر من أربعين عاماً والإمبريالية العالمية، عبر وكلائها الإقليميين وآلتهم الإعلامية الضخمة، تحاول زرع الفتنة والضغينة بين الشعوب العربية، وتغذية النعرات الطائفية والإقليمية ليخلو لهم جو الاستفراد بمقدرات الأوطان.
مباراة كرة قدم واحدة، أو موقفاً عفوياً في ملعب، كان كفيلاً بإفشال كل هذه المخططات المليارية، ليكشف عن أواصر متينة وعميقة، جذورها ضاربة في أعماق الحضارة واللغة والدين والتاريخ، ومسيّجة بوحدة مصير لا يمكن لطمس الهوية أن يلغيه
غير أن مباراة كرة قدم واحدة، أو موقفاً عفوياً في ملعب، كان كفيلاً بإفشال كل هذه المخططات المليارية، ليكشف عن أواصر متينة وعميقة، جذورها ضاربة في أعماق الحضارة واللغة والدين والتاريخ، ومسيّجة بوحدة مصير لا يمكن لطمس الهوية أن يلغيه.

تبادل التحايا المفعمة بالود والاحترام بين حسام حسن ومحمد أبو تريكة، ورد الأخير بفيض من الحب المتبادل متناسياً الخلاف السياسي من أجل اسم مصر، يحمل دلالة أعمق من مجرد تضامن رياضي، إنه رسالة أمل تؤكد بالدليل القاطع أن احتمالية الاستشفاء من "فيروس الكراهية" الذي زُرع بوعي وتخطيط خبيث بعد انقلاب عام 2013، هي احتمالية ممكنة وقريبة جداً. لقد أثبتت هذه اللحظة أن القلوب ما زالت حية، وأن المرض طارئ والصحة هي الأصل في جسد هذا الشعب.

أمام هذه النافذة المشرعة، يبرز السؤال الوجودي: كيف يمكننا الاستفادة من هذه الفرصة لاختراق الجدار السميك الذي بناه المستفيدون من الفرقة، والذين يكرهون أن يروا شعب مصر جسداً واحداً متلاحماً كما كان يشد بعضه بعضاً؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، وابتكار أدوات الاختراق والجسور البديلة، هي مهمة يجب أن تقع على عاتق الشباب وحدهم، الشباب الذين يمتلكون مرونة الحلم ونقاء السريرة، بعيداً عن فئة "الشيوخ" الذين تكلسوا في خنادق الماضي، أو أولئك المنتفعين الذين يقتاتون على دماء التفرقة وصناعة العداوات. إنها دعوة إلى الجيل الجديد ليعيد صياغة المشهد مستلهماً من المستطيل الأخضر حقيقة واحدة: أن الوحدة ممكنة، وأن جدار الخوف والكراهية أوهن من بيت العنكبوت إذا ما صدقت العزائم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)