بعد التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وامتداد الضربات لتشمل قواعد أمريكية
في
الخليج، عاد إلى الواجهة سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحا: هل تستطيع دول الخليج إنهاء
الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، دون أن تدفع ثمنا أمنيا باهظا؟
الحرب الأخيرة لم تغيّر فقط شكل المواجهة بين واشنطن وطهران، بل أعادت تعريف
موقع القواعد الأمريكية، التي لم تعد مجرد مظلة حماية، بل تحولت في نظر
إيران إلى أهداف
عسكرية مباشرة.
طهران تطور بنك أهدافها في الخليج
في مطلع آذار/ مارس المنصرم أعلن الحرس الثوري توسيع دائرة العمليات لتشمل قواعد
أمريكية في دول المنطقة، وكانت هذه المرة الأولى منذ بدء الحرب التي يتم فيها الإعلان
رسميا أن القواعد في الخليج تعد جزءا من مسرح العمليات، وبالتوازي حذر الحرس الثوري
المدنيين في دول الخليج من الاقتراب من القواعد الأمريكية، وهو ما يمكن قراءته على
أنه تبرير مسبق لأي ضربات، يمكن أن تلحق أي ضرر بأعيان مدنية لهذه الدول.
الحرب الأخيرة لم تغيّر فقط شكل المواجهة بين واشنطن وطهران، بل أعادت تعريف موقع القواعد الأمريكية، التي لم تعد مجرد مظلة حماية، بل تحولت في نظر إيران إلى أهداف عسكرية مباشرة
في السياق، تطورت الأهداف لتشمل كل البنى المرتبطة بالوُجود الأمريكي في هذه
الدول، كالتجمعات السكنية ومقار إقامة الجنود في بعض الفنادق التي تم استهدافها، بحسب
مصادر صحفية، في هذا السياق. ويندرج تحت هذا المفهوم البنية التحتية المرتبطة بالقواعد
الأمريكية، بل وتوسعت أكثر لتشمل المؤسسات الأمريكية المدنية، كالجامعة الأمريكية في
هذه الدول.
التحول النوعي للرؤية العسكرية الإيرانية تجاه القواعد الأمريكية
يمكن القول إن هناك تحولا نوعيا في الفعل العسكري الإيراني، لا سيما بعد الحرب
الأخيرة، فلم يعد الحديث مجرد ردع، بل تنفيذ فعلي لضربات داخل الخليج، وهو ما بنته
طهران على قاعدة أن القواعد الأمريكية أهداف مشروعة، ومن يستضيفها عليه أن يتحمل المخاطر،
وهو ما تحملته قطر فعليا في حرب الـ12 يوما، حيث قصفت إيران قاعدة العديد، والغريب
أن أمريكا لم تقم بما يلزم من حماية الدوحة من هذه الضربة، واكتفت بسحب جنودها من القاعدة
لحمايتهم.
القواعد الأمريكية في الخليج على المحك
ضرب قاعدة العديد في حرب الـ12 يوما، وما يشهد الخليج الآن من ضربات تستهدف
القواعد الأمريكية على أراضيها، يضع الاتفاقيات الأمنية المشتركة لهذه الدول مع واشنطن
على المحك؛ هذه الاتفاقيات التي عُقدت بعد اجتياح العراق للكويت، منحت واشنطن الوصول
إلى القواعد، والتخزين المسبق للمعدات، والتدريب العسكري، كما أسست لحقوق وامتيازات
للقوات الأمريكية داخل دولة الخليج، بل ومنحتها حصانة قانونية، مع ذلك فإن هذه الاتفاقيات
لا تعني التزاما تلقائيا بالدفاع، أي أن أمريكا "قد" تدافع عن هذه الدول،
لكنها غير ملزمة قانونيا دائما بالقيام بهذا الدور.
وانفردت قطر باتفاقية في عام 2025، ويبدو أنها كانت مدفوعة بحالة الحصار التي
فرضت عليها والحديث عن خطة للاجتياح، منحت بموجبها القوات الأمريكية لقطر حق الحماية
الكاملة، واعتبار أي هجوم على قطر اعتداء على أمريكا، وهو ما ذهبت إليه الإمارات أيضا،
مع ذلك لم تقم الولايات المتحدة بهذا الواجب، على الوجه الذي يمكن أن يرضي الدولة المضيفة،
رغم الضربات المستمرة.
هل تمنح هذه الاتفاقيات الحق للدول المضيفة أن تنهي الوجود الأمريكي؟
وهنا يرشح السؤال: هل تمنح هذه الاتفاقيات الحق للدول المضيفة أن تنهي هذا الوجود،
في ظل عدم قيام القوات الضيف بما يلزم من وجودها؟!
الأزمة الأكبر لهذه الأنظمة هي عدم وجود قوى إقليمية موثوقة يمكن الاستعانة بها وتكون صمام أمان تقف بين بين؛ لإعادة الخليج كواحة استقرار يسعى لتثبيته الغرب لاستدامة المورد المهم للطاقة
الإجابة: نعم يمكن إنهاء هذه الاتفاقيات، عبر الإرادة المنفردة من أحد الطرفين،
أي أن أي دولة خليجية تستطيع إلغاء الاتفاق عبر إخطار رسمي، لكن يتطلب ذلك إشعارا مسبقا
قد يمهل الطرف المغادر من 6 إلى 12 شهرا، وتستطيع هذه الدول أن تخطر واشنطن بعدم رغبتها
في تجديد الاتفاق، ويمكن أيضا أن تقرر طلب مغادرة هذه القوات وإنهاء الاتفاق؛ بسبب
خرق شروط الاتفاق، أو الإضرار بسيادة الدولة، وهو ما حدث في حالة قطر مثلا، والآن مع
باقي دول الخليج.
البديل لرحيل القوات الأمريكية وأمن دول الخليج
يقف متخذ القرار في كل دول الخليج بين مفترق طرق؛ أيها يأخذه إلى متاهة لا يعلم
لها مستقرا ولا مقاما، فهو بين خيار استمرار القوات الأمريكية، على أمل تراجع الحلم
الإيراني التوسعي، والخلاص من الفزاعة التي طالما استخدمتها الولايات المتحدة، وكذا
الاحتلال الإسرائيلي لتهديد دول الخليج، وبين الرضوخ لطلب الإيراني والمطالبة بترحيل
القوات الأمريكية، ويبقى في حالة عدم استقرار مع جار سيزداد عنفوانه لو خرج من هذه
الحرب بما طاله من خسائر ولم يضعف. والأزمة الأكبر
لهذه الأنظمة هي عدم وجود قوى إقليمية موثوقة يمكن الاستعانة بها وتكون صمام أمان تقف
بين بين؛ لإعادة الخليج كواحة استقرار يسعى لتثبيته الغرب لاستدامة المورد المهم للطاقة.
هذه المقدمات تؤكد أن هذه الحرب لن تكون محدودة الأثر كما يحصرها البعض في
بقاء النظام الإيراني أو إضعافه، بقدر ما ستكون لها آثار كبيرة على تشكيل منظومة
القوى في الشرق الأوسط، والتي ستطال دولا لم تنخرط بالأساس في هذه الحرب، لكنها
ستصاب بغبارها، لتحقيق الهدف الاستراتيجي المراد من هذه الحرب بتشكيل خريطة الشرق
الأوسط الجديد.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.