لماذا يغضُّ الإعلام الغربي الطرف عن زلات المونديال الأمريكي؟

عادل العوفي
"النسخة الأمريكية الموعودة لم تبح بكامل أسرارها بعد، والحبل على الجرار، لذلك سننتظر المزيد من الزلات والكوارث التي لن ينفع تجاهلها لاحقا"- جيتي
"النسخة الأمريكية الموعودة لم تبح بكامل أسرارها بعد، والحبل على الجرار، لذلك سننتظر المزيد من الزلات والكوارث التي لن ينفع تجاهلها لاحقا"- جيتي
شارك الخبر
منذ الإعلان الرسمي عن نيل دولة قطر فرصة احتضان كأس العالم لسنة 2022 وصولا للساعات الأخيرة قبل انطلاق البطولة؛ ظل الشغل الشاغل للإعلام الغربي النبش والبحث عن العيوب والترويج للمغالطات ونسج روايات ركيكة تشكك في قدرة البلد العربي على النجاح وكسب الرهان والتحدي الكبير. لن يسعنا الوقت لإعادة سرد "المسرحيات الرخيصة" التي ظلت تدور في فلك "حقوق الإنسان"، ذلك الشعار الذي يحتفظ به هؤلاء في الدرج ويستحضرونه وقت الحاجة، ويغمضون أعينهم عنه حين يكون الضحايا عربا ومسلمين أو أفارقة مصنفين "تحت خط" الإنسانية، أو بالأحرى الذين لم يستوفوا الشروط المطلوبة بعد كي "ينهال" عليهم الحنان الغربي.

المهم، حصد مونديال قطر نجاحا منقطع النظير وذهبت أوهامهم أدراج الرياح، بل وصُنِّف النسخة الأفضل في التاريخ وسيظل محافظا على هذا الإنجاز؛ لأن ما نراها اليوم من كوارث ترافق "المونديال الأمريكي" حتى قبل أن يبدأ تجعلنا نتحدث بمنتهى الثقة بأن كل من شحذوا سكاكينهم للسخرية من التنظيم القطري سيكونون اليوم أمام محك واختبار حقيقي لمصداقيتهم المفقودة من الأساس؛ والدليل أن رئيس الفيفا نفسه المشهود له "بالمحاباة" ونظم قصائد الغزل في كل بلد يحل به، أقر واعترف بصريح العبارة مخالِفا لغته الدبلوماسية المعتادة حين قال بالحرف الواحد: "لو كان بيدي لنظمت كأس العالم في قطر لعشر نسخ متتالية؛ لأنني لن أنسى التجربة الرائعة التي عشناها هنا جميعا".

ما نراها اليوم من كوارث ترافق "المونديال الأمريكي" حتى قبل أن يبدأ تجعلنا نتحدث بمنتهى الثقة بأن كل من شحذوا سكاكينهم للسخرية من التنظيم القطري سيكونون اليوم أمام محك واختبار حقيقي لمصداقيتهم المفقودة من الأساس

ورغم أنني شخصيا أشفق عليه من لسان "أبو إيفانكا" الطويل الذي ينتظره لا سيما في حفل الافتتاح؛ إلا أن كلمات "صهر لبنان" (نسبة لزوجته اللبنانية لينا الأشقر وهي من بلدة الخريبة في الشوف) تجسد رد اعتبار صريح لحقيقة النجاح المذهل الذي بلغه المونديال العربي رغم الحملات الشرسة المجحفة ضده.

أين الإعلام الغربي؟

الآن بعد أن بدأت الدول المشاركة تحط رحالها على الأراضي الأمريكية لم تتأخر "المصائب" المنتظرة في الوصول معها؛ وأولها الإشكال العويص المجسد في تأشيرات الدخول للاعبين وأفراد الأطقم الفنية والطبية للعديد من المنتخبات لاسيما العربية والآسيوية، دون إغفال الصور المذلة لأساليب التفتيش البدائية لبعض البعثات. ومن المنتخبات التي عانت في هذا الصدد نجد منتخب جنوب أفريقيا الذي اضطر لتأجيل موعد سفره لعدة أيام بسبب تعذر حصول أعضاء من الجهاز الفني والطبي والإداري على التأشيرات المطلوبة، وأيضا يعاني مهاجم المنتخب السويسري بريل إمبولو من عدم نيله التصريح اللازم لمرافقة زملائه، كما حدث أيضا مع لاعب منتخب أسود الأطلس المغربي زكريا الواحدي الذي اضطر للتخلف عن الرحلة الجماعية للمنتخب بعدما تم رفض طلبه مرتين، لينجح الاتحاد المغربي لاحقا في حل الإشكال.

وقبل ساعات أيضا تم ترحيل الحكم الصومالي المعروف في القارة السمراء عمر عبد القادر أرتان بعد رفضت سلطات الهجرة الأمريكية منحه تصريح الدخول، وتمت إعادته إلى تركيا حيث جاء؛ ليضع الاتحاد الدولي "فيفا" أمام أزمة حقيقية تستوجب حلا عاجلا قبل انطلاق صافرة أولى المباريات.

كما وتعرض لاعب منتخب العراق أيمن حسين للاحتجاز في مطار أوهير في شيكاغو لأكثر من سبع ساعات للتحقيق معه، وتم توقيف المصور طلال صلاح المرافق لأسود الرافدين لأكثر من عشر ساعات وتفتيش هاتفه الشخصي قبل أن يُرفض دخوله بل ويتم ترحيله دون إبداء أسباب واضحة حول هذا التصرف. أيضا عانى منتخب هايتي من عدم السماح للاعب الوحيد المقيم داخل البلد واسمه وودنسكي بيير إلى جانب عشرة مسؤولين آخرين، قبل أن يتم حل المشكلة بعد عدة محاولات ليلتحقوا ببعثة الفريق في مقر الإقامة بفلوريدا.

وستقيم بعثة المنتخب الإيراني في مدينة تيخوانا المكسيكية على الرغم أن مباريات الفريق الثلاث في دور المجموعات ستقام على الأراضي الأمريكية، لكنها لم تحصل على التصاريح اللازمة لحدود اللحظة، وهناك أقاويل تشير إلى إمكانية اقتصارها على الدخول في أيام المباريات فقط والمغادرة فور انتهائها.

أما منتخب سويسرا فقد وقع في أزمة أخرى مغايرة كليا لما سبق، وتتعلق بوجوده في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا؛ حيث نشر الاتحاد الرسمي بيانا حذر فيه من وجود "الأفاعي السامة" في المنطقة، ونشر عبر حسابه على الإنستغرام خريطة ملونة باللون الأحمر تغطي المساحة المحيطة بمكان المعسكر واصفا إياها "بمنطقة الأفاعي"؛ حيث تبدو المسافة قريبة جدا مع "وادي كارمل"، المنطقة الجبلية المفتوحة المشهورة بانتشار الزواحف وتحديدا "الأفاعي الجرسية السامة".

طبعا هذا غيض من فيض ما أتحفتنا به النسخة الأمريكية التي لم تبدأ بعد أصلا؛ دون إغفال كابوس الحرارة المفرطة والعواصف الرعدية التي تهدد استمرارية المباريات، كما شهدنا في نسخة كأس العالم للأندية الصيف الماضي التي صنفت ضمن الأسوأ؛ حيث أثرت العوامل المناخية على أداء اللاعبين وظلت أغلب اللقاءات مملة. وهذا يعيدنا لواقعة تجربة أخرى مريرة على الأراضي الأمريكية سنة 1994 والنهائي الوحيد عبر التاريخ الذي انتهى سلبيا بين البرازيل وإيطاليا؛ حيث أقيمت المباراة في الساعة 12:30 ظهرا بتوقيت مدينة باسادينا بولاية كاليفورنيا في يوم شديد الحرارة، لذلك كان الأداء باهتا ولم يرتقِ للمستوى المطلوب.

دعونا نعكس الصورة:

تخيلوا لو حدث كل الذي سردناه في مونديال قطر أو في بلد عربي آخر؛ كيف سيتعاطى الإعلام الغربي مع هذه الوقائع الموثقة؟ وكم من تقرير ووثائقي سينتج "لفضح التخلف العربي"؟ ولماذا جازفت الفيفا بمنح هذه البلدان شرف استضافة الحدث الكروي الأعظم؟ وغيرها الكثير من العناوين والأسئلة التي تنضح حقدا وغلّا..

المؤكد أن النسخة الأمريكية الموعودة لم تبح بكامل أسرارها بعد، والحبل على الجرار، لذلك سننتظر المزيد من الزلات والكوارث التي لن ينفع تجاهلها لاحقا؛ مع متمنياتنا بالتألق للمنتخبات العربية الثمانية المشاركة، لا سيما أن الإنجاز المغربي الأخير في نسخة قطر صار لزاما أن يدفعنا لإحداث قطيعة مع تلك المقولة الكئيبة التي تعتبر مجرد المشاركة "إنجازا"..

لننتظر ونرَ إذن.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)