هل بات هامش المناورة ضيّقا أمام الرئيس السوري؟

عادل العوفي
"امتحان حقيقي بين مطرقة ترامب التي لا تهدأ وسندان البحث عن كسب المزيد من الوقت في ظل الظروف الصعبة"- الرئاسة السورية
"امتحان حقيقي بين مطرقة ترامب التي لا تهدأ وسندان البحث عن كسب المزيد من الوقت في ظل الظروف الصعبة"- الرئاسة السورية
شارك الخبر
يحاول "أبو إيفانكا ترامب" الإمساك بخرطوم المياه بيده لإخماد الحرائق التي يشعلها بعود الثقاب الذي يحمله في اليد الأخرى؛ ليواصل رسم حكايته المثيرة عن "الحرب والسلام". ولعل آخر ما تفتق عنه ذهنه الذي يراه هو فقط "عبقرياً"؛ السعي لجر سوريا نحو منزلق جديد لا يقل خطورة عن الدروب الشائكة التي قطعها هذا البلد الأصيل، عبر حديثه عن ضرورة إسناد ملف حزب الله اللبناني للرئيس السوري أحمد الشرع ووصفه بالأنسب والأقدر على فك الشيفرة، بدل الرهان على نزوات رئيس وزراء الكيان الصهيوني العاجز عن "الحسم السريع".

طبعاً لم يعد مجدياً التركيز على السياق الذي جاء به كلام الرئيس الأمريكي ولا التدقيق في حيثيات ما رافقه من كلام آخر "استعراضي"؛ لكن النقطة سالفة الذكر تحمل في طياتها تذكيراً بجراح عربية قديمة عصية على الاندمال، وتفتح أبواب الفتنة والصراع الطائفي الذي لا يخفي الطرف الآخر "الاستثمار" فيه بشتى الوسائل والطرق كي يتعاظم ويكبر ولا يبقي ولا يذر، لذلك كانت كل الأنظار متجهة صوب دمشق لأن الجميع يدرك حساسية المرحلة الحالية لها، وأنها في طور التعافي والتقاط الأنفاس وتضميد الكسور التي خلفتها مرحلة النظام البائد في مفاصل الدولة ونفسية الشعب المنهك من أتون الحرب وبشاعتها.

هامش المناورة:
الإطلالة التلفزيونية للرئيس السوري مع قناة المشهد والإعلامي طوني خليفة حملت العديد من الأجوبة "المطمئنة" من خلال رده على الأسئلة المتعلقة بهذه النقطة

لا أحد يجهل السعي الحثيث للقيادة السورية للنأي بالنفس عن كل الصراعات المحيطة بها، رغم أن الاستفزازات الصهيونية المتكررة تجاوزت الخطوط الحمراء وأضحت تشكل مصدر "إحراج" دائم لها حتى في الأوساط الشعبية الداخلية. وقد تبدو الخطوة مفهومة بالنظر لما ذكرناه آنفاً؛ لكن هذه السياسة صارت مهددة من لدن طرف دولي لا يدخر أدنى فرصة "لتذكير" الجميع "بأفضاله" على النظام الجديد، لذلك يطرح الموضوع اللبناني بطريقة تجعل التأويلات تتناسل من كل حدب وصوب وتقلص من هامش المناورة المتاح لحكومة أحمد الشرع؛ التي تجد نفسها في "امتحان حقيقي" بين مطرقة ترامب التي لا تهدأ وسندان البحث عن كسب المزيد من الوقت في ظل الظروف الصعبة المحيطة بالمنطقة.

قطعاً ظل الجميع يترقب الرد القادم من دمشق وسط اللغط الذي أحدثه سيد البيت الأبيض من "إيفيان" الفرنسية تحديداً؛ إلا أن الإطلالة التلفزيونية للرئيس السوري مع قناة المشهد والإعلامي طوني خليفة حملت العديد من الأجوبة "المطمئنة" من خلال رده على الأسئلة المتعلقة بهذه النقطة بالذات حين قال: "لدينا من الشجاعة ما يكفي إذا أردنا أن ندخل في ميدان حرب أن نقول ذلك بشكل علني"، موضحاً أن "الحل في لبنان لا يمكن أن يتم عن طريق الحرب وقصف المدن".

ولعل من أهم العبارات الواردة على لسان الشرع وصفه تلك الخطوة "بالحروب العبثية التي لا يوجد فيها منتصر، بل ستخرج كل الأطراف خاسرة". ورغم الانتقادات المباشرة التي أطلقها تجاه "حزب الله" معيداً التأكيد على وجود "جرح سوري كبير لا يزال حياً حتى الآن"، إلا أنه عاد للتأكيد على استعداد دمشق للجلوس على طاولة الحوار حتى مع الحزب إذا كان ذلك يصب في مصلحة لبنان وسوريا. وأوضح أن تصريحات الرئيس الأمريكي "فُهمت وفُسرت بشكل خاطئ".

وللأمانة يُحسب للرئيس السوري الاختيار السليم والدقيق لتوقيت هذا الخروج الإعلامي الذي يُعد "مدروساً بعناية فائقة" لدرء كل التأويلات ووضع النقط على الحروف، في ظرف زمني جد معقد تمر منه المنطقة بأسرها ولم يكن يحتمل التأخير وفسح المجال أمام المتخصصين في الاصطياد في المياه العكرة والتماهي المطلق مع ما أطلقه "أبو إيفانكا".

على ماذا الرهان؟
مع التفاعل الإيجابي مع هذا الرد الرسمي السوري؛ لا بد من فتح النقاش أكبر والبحث في خياراته المتاحة، بل وطرح سؤال عريض مفاده: على ماذا تراهن دمشق للوقوف ضد الطلب الأمريكي الذي يبدو ملحاً حسب كلام الرئيس؟

لكن ومع التفاعل الإيجابي مع هذا الرد الرسمي السوري؛ لا بد من فتح النقاش أكبر والبحث في خياراته المتاحة، بل وطرح سؤال عريض مفاده: على ماذا تراهن دمشق للوقوف ضد الطلب الأمريكي الذي يبدو ملحاً حسب كلام الرئيس؟ وهل درست دمشق خطواتها جيداً قبل اتخاذ القرار الذي يبدو "حاسماً" حسب كلام أحمد الشرع؟

هنا كلُّ الطرق تؤدي صوب إسطنبول تحديداً، والتصريحات التي سُبقت من لدن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي صرّح قبل أيامٍ قليلةٍ من واقعة ترامب: "أريد أن يعلم الجميع أن سوريا ولبنان دولتان مستقلتان تقعان ضمن دائرة المحبة والأخوة التركية، وأن دمشق وبيروت مدينتان شقيقتان لإسطنبول". وأضاف: "أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت، وليس فقط من هاتاي، ولن نتسامح مع أي أمرٍ واقعٍ في بلدان إخواننا، ولن نتغاضى عن أي هجومٍ ضدهم".

هذا التأكيد الجازم على موقف تركيا يبدو متطابقاً مع ما سار عليه لاحقاً الشرع؛ ومن هذا المنطلق لا يمكن فصل الواقعتين عن بعضهما البعض، ووجود "فيتو" تركي ربما يمنح متنفساً مهماً للقيادة السورية أمام الضغوط واللهجة القادمة من واشنطن، والتي لا تخلو من تهديد ووعيد.

الخلاصة أننا نعيش مرحلةً تتطلب الكثير من الحكمة، وهناك من يسعى جاهداً للعب على وتر الخلافات و"الجروح" كما ذكر "أبو إيفانكا" بلسانه حين فتح هذا الموضوع، ولم يُخفِ رغبته في "استغلال" ذلك لجني مكاسب ذاتية، طالما كانت الدماء العربية المسلمة هي الوقود فلا مشكلة في ذلك..

فهل تنجح القيادة السورية في تجاوز الفخ والمطب الأمريكي بنجاح؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)