قبل أيام قليلة فقط كانت النقاشات التي تتحدث عن وجود "هوة
عميقة" بين "موروكو" الإنجازات الرياضية و"مغرب" الواقع
المر؛ محكومة بنهاية معلومة مفادها أنك تنتمي لفئة "الجاحدين"
و"العدميين" أو حتى المشكوك في وطنيتهم وانتمائهم؛ مع العلم أن هذه
النظرية طُرحت من أعلى سلطة، وتحديداً من عاهل البلاد الذي أقر ودعا في خطاب العرش
السنة الماضية لضرورة الوقوف ضد ما أسماه بـ"مغرب يسير بسرعتين"، وهو
تعبير يعكس الحقيقة التي تصر بعض الجهات على إنكارها وطمسها عبر التسويق للمشاريع
العملاقة والترويج لأرقام فلكية لا يستفيد المواطن البسيط منها، بل تثقل كاهله
المنهك أساساً وتضاعف من أعبائه وهمومه.
اليوم انهارت تلك السرديات الرسمية التي لا تمت للواقع بصلة وتغرد خارج سرب
الحقيقة؛ لأن حجم الكارثة التي شاهدها العالم بأسره في مدينة
سبتة المحتلة يعيد
فتح جراح عميقة ظن البعض أنها توارت بعمليات تجميل فاشلة ومساحيق تجميل رخيصة لم
تكن ذات فعالية، لتخفي الندوب والتشوهات الجسيمة في الجسد الضعيف المتعب.
رقم ضخم من الضحايا، وما زال العداد مفتوحاً وقابلاً للارتفاع، والأرقام ليست رسمية ولا نهائية لحدود كتابة هذه الأسطر، ما يجعلنا أمام "كارثة" حقيقية من المفترض أن تنعكس على المستوى الرسمي كما هو الحال شعبياً ولدى المواطن العادي في الشارع
صور قاسية ومقاطع فيديو تجرح الكبرياء والكرامة، صاحبَتها كلمات صاعقة
لمواطنين لم تُخفْهم أمواج البحر ولا أسماكه المفترسة، ولم يتوانوا للحظات في
إشهار كلمة "الطلاق" بالثلاثة مع وطنهم وذكرياتهم وتلك الأرض التي لم
يعرفوا غيرها سعياً نحو الضفة الأخرى والانعتاق المنشود؛ فأين اختفت تلك الحشود
التي كانت ترقص وتهلل بل وتعطي دروساً في الوطنية قبل أيام قليلة فقط في ليالي المونديال
الأمريكي؟ هل هم نفس الأشخاص؟ ولماذا تغيرت نظرتهم بين عشية وضحاها؟
مسكنات منتهية الصلاحية:
أثبتت "غزوة سبتة" للحكومة
المغربية أن "مسكنات"
الإنجازات الرياضية وإحصائيات المهرجانات الصيفية انتهت صلاحيتها ولم تعد صالحة
للاستعمال، بعد أن ضاق المواطن البسيط ذرعاً بالوعود المزيفة وتضاعفت حدة الحنق
لديه وهو يعاين المسرحيات الفاشلة ذاتها تتهيأ مع اقتراب الموسم الانتخابي؛ فلا
أحزاب جديرة بالثقة ولا برامج تستحق الاهتمام وسط عجز مخجل عن إنتاج نخب سياسية
قادرة على طرح خطاب مختلف وقريب من نبض الشارع ويستمع لأنينه.
من هذا المنطلق، يبدو من الإجحاف السعي لـ"تقزيم" ما حصل في شمال
المملكة واعتباره مجرد "هفوة عابرة" أو هبة عادية تشكل امتداداً لبعض
"المحاولات" السابقة التي شهدتها المنطقة، لا سيما حين تكون العلاقات
الثنائية المغربية- الإسبانية تشهد بعض التوتر؛ لأننا هذه المرة أمام رقم ضخم من
الضحايا، وما زال العداد مفتوحاً وقابلاً للارتفاع، والأرقام ليست رسمية ولا
نهائية لحدود كتابة هذه الأسطر، ما يجعلنا أمام "كارثة" حقيقية من
المفترض أن تنعكس على المستوى الرسمي كما هو الحال شعبياً ولدى المواطن العادي في
الشارع.
الرعب الأوروبي:
وسط حالة الحزن العارم التي اجتاحت قلوب الشعب المغربي مع صمت رسمي مطبق (اقتصر
لاحقاً على بلاغ متأخر من وزارة الداخلية)؛ كانت الضفة الأخرى تغلي إعلامياً
ورسمياً لدرجة تحركات أوروبية (على غرار إيطاليا والدنمارك وفنلندا) تدعو لتعليق
عضوية إسبانيا في "فضاء شنغن"، بينما احتدمت النبرة ضد حكومة بيدرو
سانشيز من عدة أطراف وجهات أخرى، منها من سعى "لاستغلال" الأزمة وتصفية
الحسابات مع الحكومة الإسبانية، وآخرون يتحلون "بحساسية مفرطة" تجاه ملف
الهجرة، وكلما طفت هذه القضية على السطح إلا وازدادت حالة الرعب والهلع في الخطاب
الأوروبي.
مهما سعت بعض المنابر للتمويه والبحث عن إلهاء الناس في "معارك أخرى"؛ يظل الجرح هذه المرة عميقاً وعصياً عن الاندمال، والحل الوحيد يكمن في مواجهة الحقيقة والبحث عن الحلول الناجعة، وليس دفن الرؤوس في الرمال
لكن المؤكد أن ما حدث يحمل في طياته أبعاداً أكبر هذه المرة؛ ليس فقط في
الأعداد الغفيرة التي توجهت نحو الحدود بتلك الصورة المريبة، وأيضاً في تزامنه مع
حدث وطني مهم بالمغرب وهو عيد العرش وما يمثله للمغاربة؛ لذلك يبدو
"اختزال" الموضوع على ضخامته في منظمات تهريب البشر، وأيضاً الترويج
المتعمد لتأويلات خاطئة عن القرار الصادر عن القضاء الإسباني، وتحديداً المحكمة
العليا بعدم جواز الإعادة الفورية للاجئين الذين يصلون سباحة أو عبر عرض البحر؛ كل
هذا لا يجيب عن الكم الهائل من الأسئلة والألغاز المصاحبة لما حدث في سبتة المحتلة،
وأيضاً لا يمكن أن يصلح أو يرمم الصورة التي خُدشت نفسياً واجتماعياً وسياسياً
وعلى مختلف الأصعدة.
صمت القبور:
بالمقابل، تواصل وسائل الإعلام الأجنبية النبش والبحث رغم اختلاف المساعي
والأهداف والغايات، فالكل يترصد هفوات وزلات الأطراف الأخرى لتحميلها المسؤولية؛
بينما يغط الإعلام الرسمي المغربي في سبات عميق، ويكشف أنه بعيد كل البعد عن هموم
المواطن البسيط والإنصات لما يؤرقه، ويدفعه للزج بنفسه في غياهب المجهول والموت
بتلك الطريقة الصادمة التي عاينّاها في ثغور سبتة المحتلة.
مهما سعت بعض المنابر للتمويه والبحث عن إلهاء الناس في "معارك
أخرى"؛ يظل الجرح هذه المرة عميقاً وعصياً عن الاندمال، والحل الوحيد يكمن في
مواجهة الحقيقة والبحث عن الحلول الناجعة، وليس دفن الرؤوس في الرمال حتى تمر
العواصف بسلام وتعود "حليمة لعادتها القديمة".
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.