كان
صديقي
المغربي يقود بنا السيارة في شمال المغرب قبل أن يشير إلى نقطة ويقول: هنا
مدينة سبتة، ولا يفصلنا عن الاتحاد الأوروبي الآن سوى دقائق معدودة. استغربت الأمر
وظننت أن سبتة ومليلية جزيرتان تقعان في البحر المتوسط متنازع على سيادتها بين
المغرب وإسبانيا لأجد أنني أمام مدن في قلب الأرض المغربية وسط مدنه وقراه. بدأت في
القراءة عن الموضوع وسؤال المغاربة عن أصل الحكاية، ووجدت أنه من الناحية الجغرافية
فإن سبتة ومليلية مدينتان شأنهما شأن مدن عربية ساحلية أخرى مثل طرابلس في لبنان
أو بورسعيد في مصر أو اللاذقية في سوريا. لهذا فإن ما حدث من تدفق بشري في الأيام
القليلة الماضية لا ينبغي أن يوصف بأنه مجرد تطفل مهاجرين على حدود أوروبية؛ لأن
الأمر أعقد من ذلك، والأقرب للواقع أن شخصا انتقل من مدينته إلى مدينة مجاورة.
لا
ينبغي التعامل مع السياق السياسي فقط لعبور هذا العدد الهائل من المغاربة إلى سبتة
ومليلية من دون الاعتبار التاريخي والجغرافي؛ لأن نقاش السيادة الإسبانية وحدود
الاتحاد الأوروبي الحالي لا يأخذ في الاعتبار عدم اعتراف الحكومة المغربية بهذه
السيادة والتي تعتبرها أراضي مغربية محتلة. وهي إحدى مخلفات ليس فقط الاستعمار
الأوروبي وحسب، بل مخلفات الحروب الصليبية وسقوط الأندلس. فهي النقطة التي انطلق
منها طارق بن زياد لفتح الأندلس، ومن حيث التركيبة السكانية الحالية، فإن ما يقرب
من نصف سكان هاتين المدينتين هم من المسلمين رغم المحاولات الإسبانية الحثيثة على
مدار القرون الماضية لأسبنة المدينتين ومحو الوجود الإسلامي فيهما بالتدريج.
وقد
قدمت سبتة على سبيل المثال علماء كبارا للأمة الإسلامية مثل القاضي عياض، العالم
المسلم الكبير صاحب كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" صلى الله عليه
وسلم. أي أن القواسم المشتركة على صعيد التاريخ والجغرافيا التي تجمع بين المغرب
وسبتة ومليلية أكبر بكثير مما تجمعهما مع إسبانيا ودول الاتحاد الأوروبي.
لقد
كان سقوط غرناطة عام 1492 حلقة في جهود الممالك الإيبيرية لإنهاء الوجود الإسلامي
في الأندلس، وتطبيق المشروع العسكري الاستئصالي ليس في جنوب
أوروبا وحسب، ولكن في
الضفة الجنوبية للمتوسط. ولهذا كان احتلال سبتة إحدى حلقات هذا التوسع عندما استولى
عليها البرتغاليون عام 1415، ثم انتقلت إلى التاج الإسباني في القرن السابع عشر،
قبل أن تتوالى حملات احتلال الموانئ والمدن المغربية والجزائرية والتونسية في إطار
الصعود الاستعماري الأوروبي. ومن هذه الزاوية تبدو سبتة ومليلية آخر شاهدين على
مرحلة تاريخية بدأ فيها انتقال القوة من الجنوب إلى الشمال، ومن الحضارة الإسلامية
في غرب المتوسط إلى الإمبراطوريات الأوروبية الصاعدة.
بالطبع
فإن الذين عبروا لم يجتازوا الأسلاك الشائكة ليعيدوا السيادة المغربية على
المدينتين، فهناك دوافع اقتصادية ورغبة في الهجرة إلى الدول الأوروبية. لكن هؤلاء
في نهاية الأمر لم يعبروا البحر المتوسط للضفة الأخرى؛ الاتحاد الأوروبي هو الذي
أتى واستعمر مدنا قرب مزارعهم وقراهم، ناهيك عن أن ملف الصحراء الشائك بين المغرب
والجزائر هو أصلا أحد مخلفات الاستعمار الإسباني، وقد كانت تسمى إقليم الصحراء
الإسبانية ما وراء البحار منذ أن احتلتها مدريد عام 1884 إلى انسحاب القوات
الإسبانية نهائياً عام 1975؛ إثر حكم شهير لمحكمة العدل الدولية استغله الملك
المغربي الراحل الحسن الثاني وأعلن عن زحف بشري قوامه يزيد عن 300 ألف ساروا على
الأقدام لفرض السيادة المغربية على أقاليمها وانتزاعها من إسبانيا فيما عرف
بالمسيرة الخضراء.
لذلك
فإن الحديث عن سبتة ومليلية لا ينفصل في الوعي المغربي عن ذلك الإرث التاريخي، ولا
عن شعور بأن الاستعمار الذي بدأ بإسقاط آخر معاقل الأندلس لم يغادر المنطقة
بالكامل. ولهذا يبقى النزاع على المدينتين أكبر من خلاف حدودي بين دولتين، فهو
بالنسبة لكثيرين آخر فصل لم يغلق بعد من فصول التاريخ الأندلسي الطويل.
x.com/HanyBeshr
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.