لوحة "جمل المحامل" وحكاية الفن التشكيلي الفلسطيني

هاني بشر
"تمثل هذه اللوحة البديعة نموذجا لحكاية الفن التشكيلي الفلسطيني الذي حمل همّ القضية الفلسطينية"
"تمثل هذه اللوحة البديعة نموذجا لحكاية الفن التشكيلي الفلسطيني الذي حمل همّ القضية الفلسطينية"
شارك الخبر
ذهبنا لزيارة صديق لوالدي ونحن أطفال، ولفت نظري لوحة جمل المحامل الشهيرة على الجدار. كانت اللوحة تملأ نصف الجدار تقريبا في غرفة الصالون، وكانت تكوينا فنيا غير مألوف لنا حينها، ففيها من المجاز والرمزية كثير من المعاني. سألت صاحب المنزل عن معنى هذه اللوحة التي لا هي منظر طبيعي ولا يمكن أن تكون حقيقة، فشرح لي باختصار أهمية القضية الفلسطينية وكيف أنه هذا الفلسطيني يحمل فوق رأسه أعباء كثيرة تنوء بحملها الجبال الرواسي.

وكانت أول تعرف لي على تفاصيل القضية الفلسطينية في سن مبكرة، ولسنوات ظننتها عملا فنيا فريدا وجده صديق والدي، ولم أعرف أنها لوحة شهيرة وأن راسمها هو الفنان الفلسطيني سليمان منصور سوى بعد خبر وفاته الذي نشرته وسائل الإعلام قبل أيام.

تمثل هذه اللوحة البديعة نموذجا لحكاية الفن التشكيلي الفلسطيني الذي حمل همّ القضية الفلسطينية، وكان سفيرا لها يقفز بها فوق حواجز اللغة والثقافات. وأهم ما يميز الفن التشكيلي الفلسطيني أن الواقع أكثر مأساوية من خيال الرسام، لذلك تجد أن لوحات الفن التشكيلي الفلسطيني تنبض بالحياة والأمل والمشاعر الجياشة.

الفن التشكيلي الفلسطيني إعلان مستمر للحياة والخصوصية الفنية والثقافية والارتباط بالأرض والحافظ على الذاكرة

في كتابه "أنا والأرض" يطرح الفنان التشكيلي الفلسطيني نبيل العناني سؤالا هما مفاده: كيف تصبح اللوحة ذاكرة فاعلة لا مجرد أثر بصري؟ ويشرح كيف تحول الفن التشكيلي الفلسطيني في أعقاب عام 1967 من مجرد ممارسة جمالية إلى فعل رمزي يؤسس للهوية والذاكرة.

كان المفكر الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري يقول بأن أبرز ما يدل على أن الوجود الإسرائيلي في الأراضي المحتلة هو وجود طارئ نشاز وغير متجذر؛ هو عدم قدرته على الإبداع وافتقاده للخصوصيات الثقافية والحضارية، لهذا يتجه دوما نحو سرقة الخصوصية الفلسطينية ونسبتها لنفسه، في محاولة يائسة لصناعة ذاكرة وثقافة. ومن هذه المحاولات نسبة الحمّص لنفسه، وأخيرا محاولة سرقة أكلة المقلوبة. وكان يستدل على الفقر الثقافي لدى الإسرائيليين بأن الإسرائيلي من أصول يهودية مصرية مثلا لا يزال يأكل الملوخية المصرية ويستمع لأغاني أم كلثوم، وهذا يعبر عن انتمائه الأصلي وليس الذي زُرع فيه بغير حق.

لهذا، فإن الفن التشكيلي الفلسطيني إعلان مستمر للحياة والخصوصية الفنية والثقافية والارتباط بالأرض والحافظ على الذاكرة. وأثناء كتابة هذه المقالة عدت للأعمال الفنية التشكيلية الفلسطينية التي أحتفظ بصور منها، واكتشفت أنها للفنان الفلسطيني عماد أبو اشتية الذي برع في صك هوية فنية استخدم فيها تطريز الثوب النسائي الفلسطيني في تكوينات فنية سريالية تربط بين الإنسان وكل مكونات الأرض من زيتون وبرتقال وصبّار. وطبقت شهرة أعمال أبو اشتية الآفاق، لدرجة أن دولة الأوروغواي قررت استخدام إحدى لوحاته في طابع بريد تذكاري.

لا نبالغ إذا قلنا بأن قصة فلسطين مع الريشة والألوان قصة تبدأ مع الفن التشكيلي ولا تنتهي عنده. فعندما منعت إسرائيل رفع العلم الفلسطيني بعد عام 1967 وجد الفلسطينيون ضالتهم في شرائح البطيخ التي تحمل ألوان العلم ذاتها ورفعوها في المظاهرات، واستمر ذلك حتى رُفع الحظر عن العلم الفلسطيني بعد اتفاقية أوسلو 1993. بعدها عاد شعار البطيخ يلهم خيال الفنانين في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية الثانية ورسموا لوحات تستلهم من البطيخ رمزا للمقاومة. وبعد نحو عشرين عاما يعود البطيخ مرة أخرى رمزا لمقاومة الحصار الإلكتروني الذي تحاول الشركات المالكة لوسائل التواصل الاجتماعي فرضه على أي رأي مناصر للقضية الفلسطينية، بل تجاوز ذلك إلى شعار يزين سترات الرجال والنساء في مختلف الدول حول العالم كرمز للتضامن مع فلسطين.

x.com/HanyBeshr


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)