"الذباب الإلكتروني" الإسرائيلي والأمن القومي الأوروبي

هاني بشر
"تدخل رقمي أجنبي تقوم به شركة إسرائيلية متخصصة في الحملات الإلكترونية باستخدام حسابات وهمية"- جيتي
"تدخل رقمي أجنبي تقوم به شركة إسرائيلية متخصصة في الحملات الإلكترونية باستخدام حسابات وهمية"- جيتي
شارك الخبر
لا تقلُّ الانتخابات المحلية في الدول الأوروبية المختلفة أهمية عن الانتخابات البرلمانية أو العامة بالنسبة للوبي المؤيد لإسرائيل، ومع ذلك فقد ظل تأثير هذا اللوبي محدودا في عدة مدن وأقاليم محلية في الدول الأوروبية؛ ربما لضعف تأثيرها في القرار السياسي المركزي للدولة أو لاعتبار اللوبي الإسرائيلي أنها مناطق لا تستحق التركيز الشديد لجهوده. ويبدو أن هذا الوضع تغير مع تداعيات عملية طوفان الأقصى التي اندلعت عام 2023 وهزت، وما زالت تهز، صورة إسرائيل في العالم لدرجة أن هذا اللوبي بدأ يستهدف التأثير على الانتخابات الأسكتلندية شمال بريطانيا للتأثير على نتائجها.

بدأ الأمر قبل أيام عندما كشفت وكالة فيجينوم الحكومية الفرنسية المتخصصة في التضليل الرقمي بأن شركة بلاك كور المرتبطة بإسرائيل استهدفت الوزير الأول الأسكتلندي جون سوني والحزب القومي الأسكتلندي في الانتخابات التي جرت الشهر الماضي واستخدمت ما لا يقل عن 256 حساباً وهميا لنشر نحو 1400 تعليق منسق على منشورات الوزير الأول والحزب والحكومة الأسكتلندية، في محاولة للتأثير على الرأي العام وتشويه شخصيات سياسية بسبب مواقفها المؤيدة للقضية الفلسطينية.

جماعات الضغط السياسي أو ما يعرف باللوبي هي أسلوب سياسي مقبول في الغرب تمارسه أطراف مختلفة كجزء من العملية الديمقراطية وحشد الرأي السياسي نحو موقف معين. ولكن المشكلة في الحالة الإسرائيلية هو القفز على ما هو شرعي وقانوني ومباح إلى ما هو غير شرعي وغير قانوني

الوزير الأول في أسكتلندا اعتبر الأمر مسألة تتعلق بالأمن القومي للبلاد، ودعا الحكومة البريطانية لتحمل مسئوليتها تجاه ما وصفها بهذه الهجمات العدائية الإلكترونية التي تستهدف تقويض العملية الديمقراطية في البلاد.

ويبدو أن الأمر لم يكن البداية لمثل هذا النمط من محاولات اللوبي الإسرائيلي للتدخل في الانتخابات المحلية في الدول الأوروبية، لأن السلطات الفرنسية فتحت بالفعل الشهر الماضي تحقيقا رسميا بعد أن أكدت الاستخبارات الفرنسية ما وصفته بالتدخل الرقمي الأجنبي تقوم به شركة إسرائيلية متخصصة في الحملات الإلكترونية باستخدام حسابات وهمية، استهدفت ثلاثة مرشحين من حزب "فرنسا الأبية" ذي التوجه اليساري في الانتخابات المحلية الأخيرة.

إن جماعات الضغط السياسي أو ما يعرف باللوبي هي أسلوب سياسي مقبول في الغرب تمارسه أطراف مختلفة كجزء من العملية الديمقراطية وحشد الرأي السياسي نحو موقف معين. ولكن المشكلة في الحالة الإسرائيلية هو القفز على ما هو شرعي وقانوني ومباح إلى ما هو غير شرعي وغير قانوني، الأمر الذي يضع خطرا حقيقا على الأمن القومي الأوروبي، كما ذكر ذلك صراحة الوزير الأول الأسكتلندي بسبب هذا التدخل الأجنبي السافر في الشئون الداخلية.

ويمكن النظر للمسألة من جانب آخر، وهو أن التحول الشعبي والسياسي ضد إسرائيل دفع بعض الجهات المؤيدة لإسرائيل إلى البحث عن أدوات جديدة للتأثير أو بالأحرى أدوات غير تقليدية؛ خاصة في البيئات السياسية التي لم تعد تستجيب بسهولة لوسائل الضغط السياسي التقليدية. فجمعيات "أصدقاء إسرائيل" داخل الأحزاب والبرلمانات الأوروبية، ومؤسسات العلاقات العامة، وشبكات النفوذ السياسي والإعلامي، كانت لعقود طويلة أدوات فعالة في الدفاع عن الرواية الإسرائيلية. لكن تراجع قدرتها على احتواء الغضب الشعبي المتزايد قد يكون فتح الباب أمام أساليب أكثر عدوانية تعتمد على التضليل الرقمي والحسابات الوهمية.

المشكلة لا تقف عند هذا الحد، لأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ملاذا لاستقاء الأخبار عند جمهور عريض من الناس، والتأثير فيها بهذا الشكل يضرب بعمق في طريقة وصول المعلومات السياسية للناخب الذي يبني خياراته السياسية وصوته الانتخابي على ما يصله عبر هذه المنصات. لقد خلص تقرير معهد رويترز التابع لجامعة أوكسفورد البريطانية والمعني بالأخبار الرقمية لعام 2026 إلى أن الثقة في وسائل الإعلام العالمية تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ بدء قياسها عام 2015، بالتزامن مع انتقال الجمهور نحو منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو كمصدر رئيس للأخبار. وأسهم طوفان الأخبار المضللة والمحتوى غير الموثق على هذه المنصات في تعميق مستوى الشك العام في ما يدور حول المواطن من أحداث، وهذه قطعا قضية أمن قومي.

x.com/HanyBeshr


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)