برحيل
الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي
إدغار موران يوم الجمعة (29 أيار/ مايو)، وقد
ناهز الرابعة بعد المائة من عمره، تطوى صفحة رجل كابد معضلة الاختزال وواجه علة
التبسيط في مقاربة النوازل السياسية الكبرى. وإن فقدان هذا المفكر لا ينحصر في
غياب واضع مباني الفكر المركب، بل يتعداه إلى فقدان قلم شجاع أبى أن يخضع لسطوة
الترهيب الفكري الذي تمارسه القوى المهيمنة لتعمية الأبصار عن حقيقة القضية
الفلسطينية. ولما كانت هذه القضية هي المحك الذي تختبر به مصداقية المواقف، فقد
وقف موران أمامها موقفا يدرأ به ذلك الارتباط المتعسف والباطل الذي تصطنعه الدعاية
الإسرائيلية؛ بين نقد سياسات الاحتلال وتهمة
معاداة السامية. ولم يكن صنيعه هذا من
قبيل التعاطف العارض، بل كان تفكيكا نقديا يروم إبطال السرديات التي يراد بها
استعباد العقول وتطويع الإرادات.
ولما كان
النظر السديد يوجب التفريق بين الأشياء التي يجمعها اللفظ المشترك ويفصلها المعنى،
فقد عمد موران في مقاربته إلى إبطال التماهي الزائف الذي اصطنعته الحركة
الصهيونية؛
بين اليهودية بوصفها انتماء تاريخيا، وبين الصهيونية بوصفها مشروعا سياسيا مبنيا
على الإقصاء والإجلاء. إن موران، وهو العارف بمآسي الحرب والمنحدر من أصول يهودية،
أدرك تمام الإدراك أن الخطر الأعظم يكمن في احتكار المظلومية وتوظيفها لتبرير سلب أراضي الفلسطينيين. وبناء على هذا الإدراك، أسس لقطيعة تفصل بين الجلاد والضحية، محررا بذلك العقل الغربي من عقدة الذنب التي تكبله
قد أدرك تمام الإدراك أن الخطر الأعظم يكمن في احتكار المظلومية وتوظيفها لتبرير
سلب أراضي الفلسطينيين. وبناء على هذا الإدراك، أسس لقطيعة تفصل بين الجلاد
والضحية، محررا بذلك العقل الغربي من عقدة الذنب التي تكبله. فلم يعد جائزا في
منطق الأشياء أن يتخذ ما وقع بالأمس من حيف على طائفة من الناس ذريعة لإيقاع حيف
أشد على شعب بأسره اليوم.
وبهذا
التفريق المنهجي، أعاد الصراع إلى حقيقته الأصلية باعتباره قضية شعب يسعى للتحرر
من قبضة احتلال عسكري طال أمده، نافيا عن هذا الصراع أي صبغة دينية يراد بها باطل.
وإذا
أمعنا النظر في مقاربته السياسية، ألفيناه يسلك مسلكا يدرأ به آفة التبسيط التي
تغلب على التحليل المعتاد. فقد بيّن، بمقتضى منهجه المركب، أن الكيان الإسرائيلي
المحتل، بدل أن يكون ملاذا كما زعم مؤسسوه، قد انقلب إلى منتج للعنف، كاشفا عن
مفارقة تنتهي بصاحبها إلى تدمير ذاته من حيث يظن بناءها. لقد نبه موران إلى أن
سياسات العزل وتوسيع المستوطنات ليست مجرد خرق للقوانين الدولية، بل هي تخريب
لكيان المحتل نفسه؛ فالقمع الممنهج يورث فاعله عمى استراتيجيا يسقط به في دركات
الظلم المطبق، ويحيل الاحتلال إلى داء يعوق كل مسعى لتحقيق سلام يعيد للفلسطينيين
حقهم في إقامة دولتهم ذات السيادة، وهو حق أصيل لا يسقط بالتقادم.
وقد تجلى
هذا الموقف في أبهى صوره حينما انتقل موران من التنظير الأكاديمي إلى المدافعة
العلنية، وتحديدا في عام 2002، حين نشر مقاله المشهور: "إسرائيل- فلسطين:
السرطان" في صحيفة لوموند الفرنسية بالاشتراك مع سامي ناير ودانييل ساليناف.
فما كان من أنصار اللوبي المؤيد لإسرائيل إلا أن رموه بتهمة التشهير العنصري
ومعاداة السامية، متوسلين بآليات التقاضي لسد باب النقد وإخراس الأصوات المخالفة.
إن هذه المحاكمة لم تكن إلا شاهدا على محاولة بائسة لتحويل القوانين الرامية إلى
حماية الأقليات إلى أداة تسلطية تحمي كيانا سياسيا من المحاسبة، وتجعله فوق كل
مساءلة. فقد اتخذت تهمة معاداة السامية سيفا مسلطا على رقاب المفكرين، يضرب به كل
من سولت له نفسه كشف الغطاء عن ممارسات الاحتلال، لتصير المحاكم بذلك ساحات لتصفية
الحسابات السياسية بدل أن تكون حواضن لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
حرر هذا الانتصار المفردة القانونية من أسر التوظيف الأيديولوجي، وأثبت للعيان أن نصرة الشعب الفلسطيني والصدع بمظلوميته هو التزام ينسجم تماما مع مقتضيات العدالة وحقوق الإنسان
غير أن
مآل هذه النازلة القضائية أقام الحجة على أن قوة المنطق تعلو على منطق القوة.
فبرغم الإدانة الابتدائية التي سعت إلى ترهيب الأصوات الحرة، كسب موران دعوى
الاستئناف في حكم أرسى قاعدة قانونية بالغة الدلالة، مفادها أن نقد الممارسات
الإسرائيلية وفضح جرائمها هو من صميم النقاش المشروع، ولا يدخل البتة في باب
معاداة السامية. لقد حرر هذا الانتصار المفردة القانونية من أسر التوظيف
الأيديولوجي، وأثبت للعيان أن نصرة الشعب الفلسطيني والصدع بمظلوميته هو التزام
ينسجم تماما مع مقتضيات العدالة وحقوق الإنسان.
إننا إذ
نودع إدغار موران، فإننا نودع شاهدا جاهد في سبيل كشف الزيف ودحض الافتراء. لقد
أثبت بمساره الممتد أن مناصرة الحق الفلسطيني هي معيار الصدق في المواقف، وأن
الممارسات التسلطية مهما طال أمدها لا تدفع إلا بمقاومة تفضح زيفها وتكسر قيودها.
ستبقى مقاربته وثيقة شاهدة تدين كل محاولات تكميم الأفواه، وتؤكد للأجيال أن
الدفاع عن حق الفلسطينيين هو المحك الذي تمتحن به مصداقية العقول، وأن المنطق يوجب
دائما تسمية الأشياء بحقائقها؛ فالاحتلال ظلم بيّن، ومقاومته حق مبين، وفلسطين
ستبقى البوصلة التي تهتدي بها كل إرادة تروم إقامة العدل.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.