حين جلست
أطالع التقارير الواردة من الأراضي المحتلة، مستعرضا مسارات النقاش الصاخب الذي
دار في ردهات الكنيست
الإسرائيلي، لم يكن ما استوقفني مجرد نص تشريعي يتقدم به
تيار اليمين المتطرف بزعامة إيتمار بن غفير وموتي يوجف، بل كان الذهول يأخذني وأنا
أرى كيف يتحول الصوت الإلهي، الممتد عبر قرون من الزمان في فضاء
فلسطين، إلى ساحة
معركة سياسية وعسكرية مكشوفة. إن لجوء اللجنة الوزارية للتشريع في إسرائيل، ومن
بعدها الهيئة العامة للكنيست، إلى التصويت بالقراءة التمهيدية على ما يسمى قانون
المؤذن، والذي يسعى صراحة لمنع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في
مساجد الداخل
الفلسطيني الواقعة خلف الخط الأخضر وفي مدينة القدس المحتلة، يمثل في تقديري نقطة
تحول جوهرية تتجاوز مجرد فكرة القمع الديني إلى أبعاد جيو سياسية وتاريخية أعمق
بكثير مما تبدو على السطح.
هنا، نحن
لسنا أمام قانون لتنظيم الضوضاء البيئية كما تزعم وزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان
أو كما يروج له الخطاب الإعلامي العبري المضلل، بل نحن أمام محاولة إسرائيلية
بامتياز لإعادة صياغة الجغرافيا الثقافية والتاريخية للأرض. إن صوت الأذان في
حيفا، ويافا، وعكا، والناصرة، وأم الفحم، واللد، والرملة، ليس مجرد نداء لتأدية
شعيرة دينية، بل هو وثيقة ملكية صوتية تؤكد عروبة هذه الأرض وإسلاميتها، وتذكر
العابرين الطارئين عليها بأن هناك عمقا حضاريا ممتدا لا يمكن شطبه بجرة قلم
تشريعية أو عبر تصويت نيابي محكوم بنزعات دينية شوفينية وعنصرية.
لسنا أمام قانون لتنظيم الضوضاء البيئية كما تزعم وزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان أو كما يروج له الخطاب الإعلامي العبري المضلل، بل نحن أمام محاولة إسرائيلية بامتياز لإعادة صياغة الجغرافيا الثقافية والتاريخية للأرض
لقد تابعت
بشغف وقلق كيف تطورت الفكرة؛ فالمشروع الذي طرح بصيغته الأخيرة في نهاية عام 2025
وحظي بالدعم الحكومي المطلق في صيف عام 2026، يكشف عن عجز بنيوي عميق يعيشه الفكر
الصهيوني، هذا الفكر الذي استطاع عبر العقود الماضية السيطرة على الأرض بالقوة
المسلحة، ومصادرة العقارات، وبناء جدار الفصل العنصري، يقف اليوم عاجزا ومرعوبا
أمام الصوت. إنها عقدة النقص الوجودية التي تجعل المحتل يشعر بالتهديد لمجرد سماع
نداء الله أكبر يتردد في سماء الفجر. وبن غفير، الذي خرج في مقطع فيديو تعبوي يشكو
من أن صوت الأذان يمنعه من النوم، يختزل في واقع الأمر أزمة الكيان بأكمله؛ كينونة
سياسية مدججة بالسلاح النووي، لكنها لا تستطيع النوم لأن صوت الأرض الحقيقي
يلاحقها في مخادعها.
دعونا
نحلل الأبعاد الاستراتيجية لهذا القانون، مستعينين بخرائط الصراع الحقيقية. عندما
تفرض إسرائيل تصاريح مسبقة لتركيب أنظمة الصوت في المساجد، وتمنح شرطتها صلاحيات
اقتحام بيوت الله ومصادرة التجهيزات وفرض غرامات باهظة تصل إلى خمسين ألف شيكل،
فإنها تسعى لفرض السيادة المطلقة التي تتجاوز السيطرة على حركة الأجساد إلى
السيطرة على الفضاء العام. إنهم يريدون لمدن الداخل المحتل عام 1948 أن تبدو مدنا
يهودية خالصة، خالية من أي أثر حضاري مغاير، وهو ما تسميه الأدبيات السياسية
بعملية الأسرلة الشاملة والممنهجة.
والغريب
في هذه الدراما التشريعية المقيتة، أن الائتلاف الحاكم في تل أبيب، وتحت وطأة
مساومات داخلية مقززة، عمد إلى تعديل القانون ليخرج منه صفارة السبت التي تطلقها
الكنس اليهودية للإعلان عن بدء يوم الراحة العبري، بينما أبقى على سيف المنع مصلتا
على رقاب المآذن الإسلامية. هذا التمييز
ما يحدث في الداخل الفلسطيني المحتل يعيد إلى الأذهان ما يجري متزامنا في الضفة الغربية، وتحديدا في الحرم الإبراهيمي في الخليل
الفج يسقط ورقة التوت الأخيرة عن ادعاءات
الديمقراطية التي تتغنى بها إسرائيل في المحافل الدولية، ويكشف الوجه القبيح لنظام
الأبارتايد والفصل العنصري في تجلياته الأكثر وضوحا؛ فالقانون لا يعالج الصوت
كظاهرة فيزيائية، بل يعالجه كأداة للهوية والانتماء.
إن ما
يحدث في الداخل الفلسطيني المحتل يعيد إلى الأذهان ما يجري متزامنا في الضفة
الغربية، وتحديدا في الحرم الإبراهيمي في الخليل، حيث منع الأذان لعشرات المرات
خلال أشهر قليلة بحجج واهية. هذا الترابط العضوي يثبت أن العقلية الحاكمة في
إسرائيل ترى في المظهر الديني الإسلامي جبهة قتال مفتوحة. لكن ما يغيب عن بال
المشرعين في الكنيست، هو أن الأذان في فلسطين ليس جهازا كهربائيا يُطفأ بقطع
التيار، بل هو جزء من جينات هذه الأرض، يتنفسه الناس كالهواء.
أستطيع
القول، وبثقة يستمدها التاريخ من حركة الشعوب، إن هذا الإرهاب التشريعي كما وصفه
رئيس المجلس الوطني الفلسطيني بحق، لن يقود إلا إلى نتيجة واحدة عكسية تماما لما
يشتهيه اليمين الإسرائيلي. إن محاولة خنق الصوت ستفجر الطاقات الكامنة في صدور
المواطنين العرب داخل الخط الأخضر، وسيرد الناس على صمت المكبرات بالصدوح بآذان
الفجر من فوق أسطح المنازل والشرفات، لتتحول كل شرفة في يافا وحيفا إلى مئذنة،
ولكي يدرك المحتل، في نهاية المطاف، أنه قادر على حظر الأجهزة، لكنه أبدا غير قادر
على حظر التاريخ.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.