في ظل الاتفاق
الأخير الذي تم توقيعه بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وهو الاتفاق الذي
يراه العديد من المحللين بناءً على شروطه ومخرجاته بمثابة صك استسلام أمريكي واضح،
مقابل اعتراف صريح بزيادة نفوذ إيران في المنطقة كقوة إقليمية وعالمية لا يمكن
تجاوزها؛ يبرز على الساحة السياسية والعسكرية سؤال جوهري يفرض نفسه بقوة: هل
ستنسحب
إسرائيل من
لبنان؟ إن هذا السؤال لم يأتِ من فراغ أو مجرد تكهنات، بل يأتي
كإفراز طبيعي بعد أن تعرض الجيش الإسرائيلي في الأيام والأسابيع القليلة الماضية
لضربات عديدة وقاسية، ضربات هزت بنيانه العسكري وأثرت فيه بعمق من حيث الكم
والكيف؛ حيث تشير التقارير إلى مقتل وإصابة أكثر من مئة جندي وضابط إسرائيلي، من
بينهم قادة ميدانيون ووحدات كاملة تابعة لقوات النخبة في الجيش الإسرائيلي. وأمام
هذه الخسائر الفادحة، هل ينصاع نتنياهو لواقع الميدان ويرضى بالهزيمة، أم أن لغة
الحرب ستمتد لآفاق أخرى؟
لكي نفهم الأبعاد
الكاملة لهذا السؤال والإجابة المحتملة عليه، لا بد لنا من العودة بالذاكرة إلى
الوراء قليلاً لقراءة التاريخ واستلهام دروسه. ففي الفترة التي كان فيها جنوب
لبنان محتلاً في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان الجيش الإسرائيلي يتعرض
لضربات عنيفة ومستمرة من قبل
المقاومة. وقد أدخل حزب الله وقتها في المعركة أسلحة
جديدة وتكتيكات عسكرية متطورة، حيث شهدت تلك الحقبة بداية الاعتماد المكثف على
"العبوات الناسفة" التي أنهكت آليات العدو تماماً ودمرت تفوقه
التكنولوجي والميداني. في ذلك الوقت،
نرى التاريخ يعيد نفسه؛ فالجيش الإسرائيلي يجد نفسه مجدداً داخل النفق المظلم ذاته، حيث عادت ذات الأسلحة والتكتيكات العسكرية لترسم ملامح الميدان
كان قادة الجيش الإسرائيلي يعيشون في حالة من
التخبط، وعجزوا عن توقع مكان أو زمان الهجوم القادم، أو أين تتربص العبوة التالية
بآلياتهم. وما بين عامي 1982 و2000، تم تدمير ما يقرب من 300 آلية عسكرية
إسرائيلية، وهو الرقم الذي أسهم في تغيير موازين القوى وإحداث نتائج مغايرة على
الأرض، مع الأخذ في الحسبان أن الأرقام الحقيقية في غرف العمليات المغلقة قد تكون
أكبر من ذلك بكثير.
ولم تقتصر
الخسائر على الآليات والمدرعات فحسب، بل برز سلاح آخر كان أشد فتكاً وتأثيراً على
معنويات الداخل الإسرائيلي، وهو سلاح "العمليات الاستشهادية". ففي تلك
الفترة، قُتل أكثر من مئة جندي إسرائيلي بسبب هذه العمليات وحدها، ومن أبرزها
عملية شهيرة واحدة تسببت في مقتل أكثر من 74 جندياً إسرائيلياً دفعة واحدة، مما
أحدث صدمة مدوية في المجتمع الصهيوني. كل هذه الأسباب، بالتزامن مع تصاعد حدة
الاشتباكات والكمائن المحكمة، وإطلاق الصواريخ المستمر على المستوطنات، شكلت الضغط
الحقيقي والدوافع الرئيسية التي أجبرت الكيان الصهيوني على الانسحاب الذليل من
جنوب لبنان في عام 2000.
وها نحن اليوم،
نرى التاريخ يعيد نفسه؛ فالجيش الإسرائيلي يجد نفسه مجدداً داخل النفق المظلم
ذاته، حيث عادت ذات الأسلحة والتكتيكات العسكرية لترسم ملامح الميدان، ليعود
الاحتلال إلى المتاهة نفسها. فمنذ 2 آذار/ مارس 2026، أُصيب أكثر من 3000 جندي وضابط
وقتل أكثر من 22 بحسب الرواية الإسرائيلية.
وبالإضافة إلى
هذه الخلفية التاريخية، فإن الاستهدافات والكمائن المستمرة حالياً، والتي أدت حتى
الآن إلى تدمير واستهداف أكثر من 250 آلية عسكرية إسرائيلية وإخراجها تماماً عن
الخدمة، تضع القيادة السياسية والعسكرية أمام مأزق حقيقي. فهل بعد كل هذه الخسائر
الفادحة في الأرواح والمعدات سينسحب نتنياهو ويقرر وقف نزيف جنوده؟
الانسحاب من جنوب لبنان يفرض نفسه بقوة وبشكل متسارع لسببين رئيسيين: أولهما الضغط والابتزاز الأمريكي الذي يمارسه الجانب الأمريكي للوصول إلى تهدئة شاملة تخدم مصالحه الإقليمية، وثانيهما هو الضربات العنيفة والمتتالية التي يتلقاها الجيش الإسرائيلي في الميدان
إن المؤشرات
العسكرية والسياسية الراهنة تشير إلى أن النخبة من الحكام وجنرالات الجيش داخل
إسرائيل باتوا يميلون ويطالبون بوقف العمليات العسكرية فوراً، مع محاولة عدم
الانسحاب من مواقعهم الحالية، وذلك كنوع من حفظ ماء الوجه وضمان شروط تفاوضية أفضل
في المستقبل، وهذا ما طلبه نتنياهو ووزير الدفاع كاتس من الجيش الإسرائيلي.
ولكن من وجهة نظر
النخبة الممانعة والتحليل الاستراتيجي للأحداث، فإن هذا السيناريو يبدو صعب التحقق
على أرض الواقع؛ إذ إن خيار الانسحاب من جنوب لبنان يفرض نفسه بقوة وبشكل متسارع
لسببين رئيسيين: أولهما الضغط والابتزاز الأمريكي الذي يمارسه الجانب الأمريكي للوصول
إلى تهدئة شاملة تخدم مصالحه الإقليمية، وثانيهما هو الضربات العنيفة والمتتالية
التي يتلقاها الجيش الإسرائيلي في الميدان دون القدرة على إيجاد حلول تكنولوجية أو
عسكرية لها.
وفي ذات السياق
الإقليمي المعقد، تبرز التطورات السياسية وتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، الذي
يريد إعطاء القوة للرئيس الشرع للتعامل مع حزب الله، لتعطي دفعة قوية وبناء جدار
من الدعم الشرعي لمواجهة حزب الله. هذه المعادلة المركبة، والضغط العسكري المباشر
على الأرض، سيفرض في نهاية المطاف انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية كأمر واقع
لا مفر منه. وسيكون الهدف الأساسي من هذا الانسحاب هو منع حدوث مواجهة مباشرة
وشاملة بين سوريا وإسرائيل، وضمان عدم خروج الأوضاع الأمنية عن السيطرة في المنطقة
ككل. ليبقى السؤال الأخير قائماً: هل يتعلم نتنياهو من درس عام 2000، أم أن
الميدان هو من سيجبره على الانسحاب ووفقاً لشروط المقاومة؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.