كانت
العاصمة البريطانية لندن على موعد غير مسبوق مع أعمال شغب وسلب ونهب للمحلات عام
2011، بعد أن قتلت الشرطة البريطانية الشاب البريطاني الأسود مارك دوغان شمال لندن
في شهر آب/ أغسطس. أصابع الاتهام توجهت إلى هاتف بلاكبيري المحمول حينئذ، والذي
كان يحتوي على تطبيق محادثة مشفر استغله الشباب الغاضبون بشكل كبير للتنسيق فيما
بينهم. وكان هذا نموذج لانتشار الأخبار عبر منصة
لا تستطيع السلطات البريطانية مراقبة محتواها. وعاشت لندن ليالي ساخنة من الرعب
خوفا من ردود فعل الشباب الغاضبين الذي أشعل فيهم موت دوغان جذوة النقمة على ما
وصفوه بالتهميش والعنصرية.
حينها
لم تكن وسائل
التواصل الاجتماعي في الغرب منتشرة مثلما هو الحال اليوم، فقد كان
الحديث العام يدور حول تمجيد شباب الثورات العربية الذين استخدموا الإنترنت من أجل
حرية انتزعوها لا سيما في مصر وتونس. لهذا كان حديث ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء
البريطاني وقتها، عن الأخبار المزيفة عبر بلاكبيري نغمة نشاز. وبعد
عقد ونصف العقد من هذه الحادثة الشهيرة يتكرر الأمر ذاته في
بريطانيا مع مقتل
الشاب هنري نوفاك في مدينة ساوثهامبتون في إنجلترا، مع فارق جوهري وهو أن من يساهم
في تأجيج الغضب هو صاحب منصة إكس نفسه، إيلون ماسك، الذي اتهمه رئيس الوزراء
البريطاني كير ستارمر بتهديد التماسك الاجتماعي في البلاد، قبل أن يدخل نائب
الرئيس الأمريكي جي دي فانس على الخط هو الآخر.
المشكلة الرئيسة في مثل هذا الجدل أنه ينطلق من منطلقات صحيحة تتعلق بمسألة مكافحة الأخبار الكاذبة على المستوى الوطني كجزء من الأمن السيبراني للبلاد، لكنه يصطدم بجدار حرية التعبير والمناخ الليبرالي في الدول الغربية، وهي الحجة التي لطالما استخدمتها الأنظمة القمعية والشمولية في الدول الأخرى لحجب الرأي الآخر
تحدثت وزيرة التكنولوجيا البريطانية ليز
كيندال بكثير من الحسرة والحزن عما أسمته بدور الأخبار المضللة في أوقات الأزمات،
وذلك في إطار تعقيبها على مسألة مقتل هنري نوفاك ودور وسائل التواصل الاجتماعي في
تغذية الشعور بالكراهية. ولفتت النظر لمسألة مهمة تتعلق بتمكين الجمهور من إعادة
ضبط خوارزميات أجهزتهم، بحيث لا تقودهم هذه الخوارزمات وتتحكم فيما يشاهدون
ويتعرضون له من معلومات.
المشكلة الرئيسة في مثل هذا الجدل أنه
ينطلق من منطلقات صحيحة تتعلق بمسألة مكافحة الأخبار الكاذبة على المستوى الوطني
كجزء من الأمن السيبراني للبلاد، لكنه يصطدم بجدار
حرية التعبير والمناخ الليبرالي
في الدول الغربية، وهي الحجة التي لطالما استخدمتها الأنظمة القمعية والشمولية في
الدول الأخرى لحجب الرأي الآخر ومصادرة حرية النقد والتعبير. ولهذا فإن الإشكالية
معقدة وتفرض تحديا كبيرا على المجتمعات الغربية.
وكي ندرك حجم الأزمة لا بد من الإشارة من
أن قانون السلامة على الإنترنت الذي جرى إقراره عام 2023 استغرق ثماني سنوات كاملة
ليدخل حيز التنفيذ بسبب ضغوط جماعات حماية حرية التعبير، وهي فترة طويلة تطورت
فيها التكنولوجيا بشكل كبير ربما تجاوز تفاصيل البنود الواردة في القانون.
الخطورة الكامنة هنا تكمن في أن
التكنولوجيا فرضت معادلة صفرية تهدد الهوية الليبرالية التي يفتخر بها المجتمع
الغربي؛ فالمنصات الرقمية الكبرى، وبذريعة حماية حرية التعبير المطلقة، باتت تسمح
بانتشار شائعات قد تؤدي إلى اضطرابات وعنف في دقائق معدودة بناء على معلومات
مغلوطة، كما حدث في ساوثهامبتون. وفي المقابل، فإن لجوء الحكومات الغربية إلى لجم
هذه المنصات بالقوة أو فرض غرامات مليارية عليها، يعري النموذج الليبرالي ويجعله
يبدو شبيها بالأنظمة التي طالما أدانها، وهو ما يمنح تلك الأنظمة الشمولية شرعية
أخلاقية بأثر رجعي لممارساتها القمعية.
إن انتقال مفهوم الأمن السيبراني إلى
مكافحة التضليل يفتح بابا واسعا لأسئلة فلسفية وحقوقية معقدة منها: من الذي يملك
سلطة تحديد ما هو "خبر كاذب" وما هو "رأي معارض"؟ وهل يمكن
لوزارة التكنولوجيا أو هيئة تنظيم الاتصالات "أوفكوم" أن تفرض معاييرها
دون أن تنزلق إلى فخ الرقابة الحكومية التي طالما انتقدتها الدول الديمقراطية في
الدول القمعية؟
x.com/HanyBeshr
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.