في الأيام الأخيرة للبرلمان تخرج التشريعات
سريعا وعين النواب على الانتخابات القادمة أكثر من كونها مصوبة نحو أية أهداف
ومصالح حقيقية. أما في الدول ذات التحولات العميقة فتبدو هذه التعديلات خطوات
متسارعة نحو التأسيس لهوية وواقع جديد. وهذا ينطبق على الدورة الحالية للكنيست
الإسرائيلي الذي اختتمت أعملها قبل أيام قبل أن يحل الكنيست نفسه استعدادا
للانتخابات العامة المقرر إجراؤها في أكتوبر\تشرين أول المقبل بعد دورة استمرت
أربع سنوات.
أول هذه
القوانين هو قانون متعلق بطلاب
الجامعات ومؤسسات التعليم العالي. ولو أزلت كلمة إسرائيل ووضعت مكانه اسم أية دولة
عربية أو إسلامية أخرى لهاجت الدنيا وماجت احتجاجا عليه. لكن الاعتراضات لا تزال
محصورة في نطاق المعارضة الإسرائيلية وبعض المؤسسات التعليمية هناك. وهو قانون
يتيح الفصل بين الجنسين في الجامعات في مرحلة الدراسات العليا ضمن مشروع ما سمي
بحقوق الطالب. وهو يسمح لمؤسسات التعليم العالي بطرح مسارات تعليمية للرجال وأخرى
للنساء لنيل الدرجات العلمية في مرحلة التعليم العالي.
من الناحية التكتيكية والشكلية فإن القاسم المشترك بين هذه القوانين هي إرضاء اليمين الديني المتطرف في إسرائيل وحماية للائتلاف الحاكم واستعدادا للانتخابات القادمة. أما من الناحية الاستراتيجية والفعلية فإن هذه التشريعات تزيح إسرائيل شيئا فشيئا عن صورتها وهويتها الغربية التي لطالما سعت إلى وسم نفسها بها على صعيد حرية الإعلام والعلاقة بين الجنسين في المؤسسات التعليمية بالإضافة للمساواة بين المواطنين في خدمة التجنيد..
والذي تقدم بهذا القانون هو الحزب اليميني
المتطرف الذي يتزعمه وزير الأمن إيتمار بن غفير. وجاء في تبرير القانون أنه أتى
لتشجيع الذين يحجمون عن الدراسات العليا الجامعية بسبب الاختلاط بين الجنسين الذي
يتنافى مع معتقداتهم الدينية.
ثاني هذه القوانين متعلق بالتجنيد وينص على
أن دراسة النصوص الدينية اليهودية يعد بمثابة "قيمة أساسية" للدولة.
الأمر الذي يرسخ لاستمرار إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية الإلزامية في
الجيش. وبذلك يقطع هذا القانون على المحكمة العليا الإسرائيلية أية محاولات من
شأنها اعتبار رفضهم للخدمة العسكرية أمرا غير قانوني.
أما القانون الثالث يتعلق بزيادة مدة الخدمة
العسكرية الإلزامية للرجال من 30 إلى 32 شهرا، رغم معارضة الجيش الإسرائيلي الذي
طالب عدة مرات بمدها إلى 36 شهرا لمواجهة النقص في الجنود بسبب ضغط العمليات
العسكرية التي تخوضها إسرائيل خلال السنوات الثلاثة الماضية. والقانون الرابع فهو
مشروع يتعلق بتنظيم عمل وسائل الإعلام في البلاد قدمه وزير الاتصالات شلومو كرعي
ومر قبل ساعات فقط من حل الكنيست. ويعطي القانون الجديد صلاحيات أكبر للحكومة في
الرقابة على وسائل الإعلام.
من الناحية التكتيكية والشكلية فإن القاسم
المشترك بين هذه القوانين هي إرضاء اليمين الديني المتطرف في إسرائيل وحماية
للائتلاف الحاكم واستعدادا للانتخابات القادمة. أما من الناحية الاستراتيجية
والفعلية فإن هذه التشريعات تزيح إسرائيل شيئا فشيئا عن صورتها وهويتها الغربية
التي لطالما سعت إلى وسم نفسها بها على صعيد حرية الإعلام والعلاقة بين الجنسين
في المؤسسات التعليمية بالإضافة للمساواة بين المواطنين في خدمة التجنيد..
ولا يمكن النظر لهذه التشريعات بالعين
القانونية والانتخابية فقط، وإنما باعتبارها حلقات في مسار تشهده إسرائيل منذ
سنوات يرمي إلى إعادة تعريف الدولة وموازين القوى بداخلها. فالصراع الداخلي
الإسرائيلي الحالي يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية ويعمل على تحويل الرؤى
الإيدلوجية إلى نصوص قانونية يصعب التراجع عنها حتى مع تغير الحكومات.
ولنتذكر أزمة الحكومة الإسرائيلي مع السلطة
القضائية التي بدأت قبل عامين ولم تنتهِ حتى الآن، بل ربما ستزيد بعد أن أضعفت
تعديلات اللحظة الأخيرة في الكنيست من سلطة المستشار القانونية للحكومة. وهو
المنصب الذي كان يعد بمثابة الذراع القانونية للحكومة يضبط أدائها قانونيا عبر
فتاويه في مختلف القضايا والمسائل. وبعد هذا التشريع الجديد، أصبحت الحكومة غير
ملزمة بهذه الفتاوى، بل وتستطيع الاستعانة بمحامين من القطاع الخاص للدفاع عنها في
الدعاوى المرفوعة ضدها.
https://x.com/HanyBeshr
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.