تحول الأردن خلال الأيام الماضية إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما تعرضت قواعد تستضيف قوات أمريكية لأربع هجمات متتالية خلال خمسة أيام، انتهت بمقتل جنديين أمريكيين وإصابة العشرات، في تصعيد غير مسبوق.
وبحسب مسؤولين أمريكيين نقلت عنهم صحيفة "
نيويورك تايمز"، فإن التركيز على الأردن لا يرتبط فقط بالموقع الجغرافي للمملكة، وإنما أيضا بتحولها خلال الأشهر الأخيرة إلى المركز الأهم للعمليات الجوية الأمريكية في المنطقة.
لماذا الأردن تحديدا؟
يكشف المسؤولون الأمريكيون أن البنتاغون اضطر، قبل اندلاع الحرب وخلال أيامها الأولى، إلى نقل جزء من قواته ومعداته من البحرين والإمارات وقطر إلى الأردن وإسرائيل.
ولم يكن ذلك بسبب اعتبارات عسكرية فقط، بل لأن عددا من الحلفاء الإقليميين فرضوا قيودا على استخدام أراضيهم ومجالهم الجوي لتنفيذ عمليات هجومية ضد
إيران، الأمر الذي منح الأردن دورا أكبر في إدارة العمليات الأمريكية في سوريا والعراق والمنطقة بأكملها.
ومع اتساع هذا الدور، اتسعت معه دائرة الاستهداف الإيراني، لتتحول المملكة لأول مرة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في حزيران/ يونيو الماضي إلى هدف مباشر للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
أربع ضربات خلال خمسة أيام
وتكشف "نيويورك تايمز" للمرة الأولى تسلسلا زمنيا للهجمات الإيرانية التي تعرضت لها القواعد الأمريكية في الأردن.
الهجوم الأول استهدف مجمعا سكنيا داخل قاعدة الملك فيصل الجوية، ما أدى إلى إصابة نحو خمسة جنود أمريكيين.
أما الهجوم الثاني فطال قاعدة عسكرية في شرق الأردن تستخدم لتشغيل مروحيات "بلاك هوك"، حيث تعرض عدد كبير منها لأضرار وصفت بأنها جسيمة.
بعد ذلك، تعرضت قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق لضربتين متتاليتين.
فالضربة الأولى أصابت نحو عشرين جنديا أمريكيا أثناء اندفاعهم نحو الملاجئ دون تسجيل قتلى.
لكن بعد أقل من يومين، عادت إيران لاستهداف القاعدة نفسها، ليسفر الهجوم الثاني عن مقتل جنديين أمريكيين وإصابة أربعة آخرين، فيما تحدثت تقارير أمريكية في البداية عن فقدان جندي ثالث قبل إعلان وضعه لاحقا.
ويشير مسؤولون أمريكيون إلى أن هذه السلسلة من الضربات توحي بأن إيران كانت تنفذ حملة استنزاف متدرجة ضد القوات الأمريكية، وليست مجرد ضربة منفردة.
ماذا قالت إيران؟
أعلن الجيش الإيراني أنه نفذ هجوما بطائرات مسيرة استهدف خزانات الوقود داخل قاعدة الأزرق.
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته عن عملية أوسع استخدمت فيها صواريخ وطائرات مسيرة لاستهداف ملاجئ الطائرات داخل القاعدة، مدعيا أنه تمكن من تدمير عدد من الطائرات بالكامل.
ولم تؤكد الولايات المتحدة صحة هذه الادعاءات، كما رفض البنتاغون التعليق على تفاصيل الأضرار.
اظهار أخبار متعلقة
الهدف ليس القاعدة فقط
ويرى الجنرال الأمريكي المتقاعد ديفيد ديبتولا، أحد أبرز مهندسي حرب الخليج عام 1991، أن قراءة الهجمات من منظور عسكري فقط ستكون ناقصة.
وقال لشبكة "فوكس نيوز" إن موقع الأردن يمنح الولايات المتحدة قدرة على تنفيذ عمليات جوية أكثر كفاءة في سوريا والعراق والمنطقة، ولذلك فإن استهداف قاعدة الأزرق لم يكن موجها ضد منشأة عسكرية فحسب.
وبحسب ديبتولا، فإن إيران تحاول رفع الكلفة السياسية لاستضافة القوات الأمريكية داخل الأردن، بحيث تصبح تكلفة استمرار هذا الوجود -أمنيا وسياسيا- أعلى من الفوائد التي تحققها المملكة وواشنطن من هذا التعاون العسكري.
واعتبر أن الرسالة الإيرانية موجهة إلى الحلفاء الإقليميين بقدر ما هي موجهة إلى الولايات المتحدة.
استعادة القدرة على الضرب
من جهته، قال العقيد المتقاعد في القوات الجوية الأمريكية سيدريك ليتون لشبكة
CNN إن الهجوم على قاعدة الأزرق يثبت أن إيران لا تزال تمتلك منظومات هجومية بعيدة المدى وقادرة على استخدامها بكفاءة.
وأضاف أن وتيرة الحرب تسارعت بصورة ملحوظة خلال الأيام الأخيرة، مشيرا إلى أن الجيش الأمريكي بدأ بالفعل تكثيف ضرباته على غرب إيران، باعتبار أن هذه المنطقة تعد منصة إطلاق رئيسية للصواريخ بعيدة المدى المستخدمة في استهداف القواعد الأمريكية داخل الأردن.
كيف اخترقت إيران الدفاعات الأمريكية؟
السؤال الذي سيطر على تغطية شبكة "فوكس نيوز" كان مختلفا: كيف نجحت إيران في إصابة قواعد أمريكية يفترض أنها من الأكثر تحصينا في المنطقة؟
ويشرح العميد الأمريكي المتقاعد جون تيكيرت أن القواعد الأمريكية في الأردن محمية بما يسمى "الدفاع الطبقي"، وهو نظام متعدد المستويات صمم لاعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى وحتى قذائف المدفعية.
لكن تيكيرت يؤكد أن أي منظومة دفاعية في العالم ليست كاملة.
ويضرب مثالا بمنظومة "القبة الحديدية" الإسرائيلية التي تبلغ نسبة نجاحها بين 90 و95 بالمئة، ما يعني أن ما بين خمسة وعشرة بالمئة من المقذوفات يمكن أن تنجح في اختراق الدفاعات.
ويرى أن إيران اعتمدت على تكتيك "الإغراق الدفاعي" بإطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة في وقت واحد، بما يزيد احتمالات عبور بعضها إلى أهدافه.
هل ساعدت روسيا أو الصين؟
ومن أكثر التصريحات إثارة للجدل ما طرحه العميد جون تيكيرت، حين قال إن الدقة التي أصابت بها الصواريخ الإيرانية أهدافا حساسة داخل الأردن تثير تساؤلات حول احتمال حصول طهران على معلومات استخباراتية دقيقة من أطراف خارجية.
وأضاف لـ"فوكس نيوز" أيضا أن بعض التقارير تتحدث عن احتمال قيام الصين أو روسيا بتزويد إيران بإحداثيات أو معلومات استهداف ساعدتها على تنفيذ الضربات بدقة أكبر، لكنه لم يقدم دليلا مباشرا على ذلك.
كما أشار المحلل السياسي والعسكري "جوي" إلى أن التعاون العسكري والتقني المتنامي بين إيران وكل من روسيا والصين، خصوصا في مجال الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية، أصبح يثير قلقا متزايدا داخل الولايات المتحدة.
الهدنة منحت إيران فرصة
وربط تيكيرت نجاح الهجمات الأخيرة بفترة وقف إطلاق النار التي استمرت نحو ثلاثة أشهر ونصف.
ويقول إن تلك الهدنة منحت إيران فرصة لإعادة تنظيم قواتها وإعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية التي تضررت خلال الضربات الأمريكية السابقة.
وبحسب تقديره، فإن ما حدث في الأردن يمثل أول اختبار عملي يثبت نجاح إيران في استعادة جانب مهم من قوتها الهجومية.