كنت
أتحدث مع زميلي
الفلسطيني باللغة العربية أمام موظفة الجامعة الأسكتلندية أثناء
الدراسة هناك، فإذا بها تعرب عن دهشتها وتسألني كيف تفهمان بعضكما البعض؟ فقلت لها
ما المشكلة؟ قالت أنت مصري وهو فلسطيني! فشرحت لها أننا نتكلم لهجتين مختلفتين
وكلتاهما تنتميان للغة العربية، ولهذا نفهم بعضنا جيدا. هذا الأمر البديهي لنا
كعرب ليس بدهيا لكثير من الشعوب في العالم. وهو ما يعني أن هناك درجة من التجانس
والتفاهم لا تظهر على السطح بجلاء سوى في مواسم معينة مثل مباريات
كأس العالم، حين
تندفع جماهير دولة لتشجيع فريق دولة أخرى وكأنه فريقها؛ في حالة انسجام وحماس
نادرة الحدوث.
لست
مع التقليل من حماس الجماهير العربية لتشجيع منتخب عربي أثناء هذه المباريات
واعتبار الأمر وكأنه حدث موسمي عارض، فرمزية هذا الحماس هي من قبيل
الدبلوماسية
الشعبية التي تتجاوز عقبات ومشاكل الدبلوماسية الرسمية. وهي ترسخ لقيمة التواصل
الإنساني رغم البعد الجغرافي ولقيمة التعاون والتكافل في زمن الحروب والأزمات
والتنافر.
رمزية هذا الحماس هي من قبيل الدبلوماسية الشعبية التي تتجاوز عقبات ومشاكل الدبلوماسية الرسمية. وهي ترسخ لقيمة التواصل الإنساني رغم البعد الجغرافي
إن
كرة القدم قد بلغت من الانتشار والصناعة ما وضعها في مصاف أساليب القوى الناعمة
التي تستخدمها الدول من أجل إثبات سيطرتها وحضورها في العالم، وهي بذلك حجزت مكانا
رئيسيا لها في مجال الدبلوماسية العامة. ومع هذا، فهناك إطار دبلوماسي مواز آخر
وهو الدبلوماسية الشعبية التي تمتد فيها جسور العلاقات بين الشعوب من دون الأطر
والقنوات الرسمية المعروفة. ومثال ذلك ما حدث من التفاف عربي واسع حول المنتخب
المصري في مباراة كأس العالم الأخيرة مع أستراليان وما بدر من مدرب المنتخب حسام
حسن ورفعه علم فلسطين في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الفوز.
قبل
سنوات قد تبدو مثل هذه الأمور حدثا عاديا، لكن في ظل الوضع الحالي والتضييق الشديد
على مظاهر التضامن مع غزة والقضية الفلسطينية بشكل عام، وغل يد الشعب المصري عن
نصرة غزة، يصبح هذا الأمر غير عادي على الإطلاق؛ لا من الناحية الزمانية في حدث
تاريخي واستثنائي هو التأهل المصري بعد هذه المباراة التاريخية في كأس العالم، ولا
من الناحية المكانية على أرض الولايات المتحدة الداعمة بقوة لإسرائيل مجازرها في
غزة وعموم فلسطين.
في
فيلم "Invictus"
أو "الذي لا يُقهر" المأخوذ عن قصة حقيقية وردت في كتاب الصحفي
البريطاني جون كارلين "اللعب مع العدو: نيلسون مانديلا واللعبة التي صنعت
أمة"، كان بطل الفيلم الممثل
دليل إضافي على دور الدبلوماسية الشعبية الرياضية في تقديم بدائل تنافسية سلمية للصراعات العنيفة إذا أُحسن توظيفها
الشهير مورغان فريمان يقوم بدور نيلسون مانديلا،
وكان يسأل مدرب منتخب بلاده جنوب أفريقيا عن فلسفته في التدريب ويقدم له النصح.
واستغل مانديلا بطولة كأس العالم في لعبة الرغبي في تعزيز المصالحة الوطنية في
جنوب أفريقيا. وكانت تدور أحداث الفيلم حول دور الرياضة في تعزيز التجانس
المجتمعي، ودور مانديلا من وراء الستار في تعزيز هذا الدور. وهذا دليل إضافي على
دور الدبلوماسية الشعبية الرياضية في تقديم بدائل تنافسية سلمية للصراعات العنيفة
إذا أُحسن توظيفها.
ليس
هناك تأكيد رسمي على أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران جاء بسبب بدء
مباريات كأس العالم، لكن المؤكد أنه إذا كانت
الحرب قد استمرت بعد بدء المونديال
فإن خسائر كانت ستطال الولايات المتحدة، فضلا عن تأثير ذلك على التنظيم الأمريكي
لكأس العالم في دورته الحالية. وهو ما يعني أن وقف إطلاق النار كان لمصلحة أمريكية
صرفة عنوانها مرور كأس العالم بسلام. وقطعا لو لم يتزامن مونديال 2026 مع هذه
الحرب، لكان احتمال استمرار الاشتباكات هو الأرجح.
x.com/HanyBeshr
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.