تعيش
إسرائيل في
الآونة الأخيرة حالة من العزلة الدولية غير المسبوقة التي تلت حرب غزة؛ حيث توالت
القرارات الدولية بقطع العلاقات الدبلوماسية، وطرد السفراء أو سحبهم، مما شكل ضغطا
سياسيا واقتصاديا خانقا على تل أبيب. إلا أنه، وفي قلب هذه العزلة، تبرز مفارقة
لافتة تتمثل في متانة العلاقات الإسرائيلية
الإماراتية؛ إذ تبدو أبو ظبي اليوم
كأقرب العواصم العربية إلى إسرائيل. ولكن، لكي نفهم هذا الترابط، يجب أن نطرح
السؤال الجوهري: متى بدأت هذه العلاقات؟ وما هي المحطات السرية والعلنية التي مرت
بها؟ وإلى أين تتجه في ظل الاحتقان الشعبي العربي؟
جذور التقارب:
دبلوماسية الغرف المغلقة (2010-2015)
لم تكن
"اتفاقيات أبراهام" وليدة الصدفة، بل كانت تتويجا لما يمكن تسميته بـ"التقارب
الهادئ" الذي بدأ فعليا منذ عام 2010. في تلك الفترة، تشكلت ملامح العلاقة
بعيدا عن الأضواء عبر قنوات استخباراتية ودبلوماسية سرية، استهدفت في المقام الأول
"جس النبض" وبناء جسور الثقة بين الطرفين.
المحرك الأساسي لهذه العلاقة هو "نظرية العدو المشترك"، فقد تلاقت مصالح الطرفين في ملفين رئيسين: الأول هو البرنامج النووي الإيراني والتوسع الإقليمي لطهران، والذي اعتبره كلا الطرفين تهديدا وجوديا استدعى تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق المواقف الأمنية. أما الملف الثاني، فهو مكافحة حركات "الإسلام السياسي"
كان المحرك
الأساسي لهذه العلاقة هو "نظرية العدو المشترك"، فقد تلاقت مصالح
الطرفين في ملفين رئيسين: الأول هو البرنامج النووي الإيراني والتوسع الإقليمي
لطهران، والذي اعتبره كلا الطرفين تهديدا وجوديا استدعى تبادل المعلومات
الاستخباراتية وتنسيق المواقف الأمنية. أما الملف الثاني، فهو مكافحة حركات
"الإسلام السياسي" التي تصاعد دورها بعد أحداث الربيع العربي، مما عزز
من رغبة الطرفين في خلق جبهة إقليمية لمواجهة هذه التحولات.
زيارات الظل: من
"بينيت ولابيد" وصولا إلى "نتنياهو"
قبل سنوات من
توقيع الاتفاقيات العلنية في واشنطن، كانت "زيارات الظل" هي المحرك
الحقيقي للسياسة الإقليمية. تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن كلا من نفتالي
بينيت ويائير لابيد قاما بزيارات سرية متكررة إلى أبو ظبي أثناء توليهما مناصب
أمنية وحكومية رفيعة قبل عام 2020. هذه الزيارات كانت تهدف بالأساس إلى وضع الأسس
اللوجستية للتعاون الأمني والتقني، ومناقشة صفقات التسلح والمراقبة التي مهدت
للاختراق الدبلوماسي العلني فيما بعد.
ولم يتوقف هذا
المسار السري حتى بعد
التطبيع؛ إذ شهد آذار/ مارس 2026 زيارة سرية قام بها بنيامين
نتنياهو إلى الإمارات وسط ظروف إقليمية بالغة التعقيد. تأتي هذه الزيارة في ظل
المواجهة المفتوحة مع إيران، وتهدف إلى التنسيق العسكري الميداني المباشر، وضمان
حماية ممرات الطاقة والملاحة الدولية، وتثبيت قواعد الدفاع الجوي المشترك التي
باتت تغطي أجزاء حيوية من المنطقة.
الاختراق
الدبلوماسي والتعاون التقني
شهدت الفترة ما
بين عامي 2014 و2016 قفزات نوعية؛ حيث بدأت الإمارات في الاستعانة بتقنيات مراقبة
وبرمجيات متطورة من شركات إسرائيلية مثل مجموعة "NSO"
لتعزيز أمنها الرقمي ومراقبة التهديدات الأمنية. وجاء عام 2015 ليمثل
"الاختراق الدبلوماسي" الأول، حين وافقت أبو ظبي على فتح بعثة إسرائيلية
لدى الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا). ورغم التأكيدات الإماراتية حينها
بأن الخطوة لا تعني تطبيعا، إلا أن العلم الإسرائيلي رُفع رسميا لأول مرة على
أراضٍ خليجية.
من السر إلى
العلن: اتفاقيات أبراهام وما بعدها
جاء عام 2020
ليمنح الشرعية القانونية والسياسية لكل ما كان يحدث في السر. اتفاقيات أبراهام لم
تكن مجرد "سلام"، بل كانت إعلانا عن "شراكة استراتيجية
شاملة". وبحلول عام 2021، كانت السفارات قد فُتحت في تل أبيب وأبو ظبي،
وتوالت زيارات المسؤولين الإسرائيليين الكبار علنيا، مما منح
التحالف صبغة مؤسسية
لا تتأثر بتغير الحكومات في تل أبيب.
بين حسابات
القصور ونبض الشارع
رغم هذا التحالف
الرسمي المتين، إلا أن الفجوة تتسع يوما بعد يوم بين "حسابات القصور"
و"نبض الشارع". في الشارع العربي، سادت حالة من السخط العارم تجاه
الموقف الإماراتي الذي اعتُبر تخليا عن الثوابت القومية في أوج العدوان على غزة.
أما في الداخل الإماراتي، فرغم التضييق على التعبير العلني،
التحالف الإسرائيلي الإماراتي لم يعد مجرد "تطبيع" عابر، بل تحول إلى محور استراتيجي يسعى لإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط بما يخدم مصالح الطرفين الضيقة
إلا أن التقارير
الحقوقية واستطلاعات الرأي المستقلة تشير إلى تراجع كبير في تأييد "اتفاقيات
أبراهام" بين المواطنين الإماراتيين، الذين يجدون أنفسهم في صراع هوياتي بين
سياسة دولتهم وانتمائهم العروبي والإسلامي. هذا الاحتقان الصامت يمثل قنبلة موقوتة
تهدد استدامة أي تحالف لا يستند إلى ظهير شعبي.
تحالفات تثير
القلق الإقليمي
لا يمكن قراءة
هذا التحالف بمعزل عن تأثيره على بقية الدول العربية، وتحديدا مصر والسودان.
فالتنسيق الإسرائيلي الإماراتي يمتد ليشمل ملفات شائكة؛ مثل دعم قوات "الدعم
السريع" في السودان، وهو ما يهدد بتمزيق السودان وإنهاك الدولة المصرية على
حدودها الجنوبية. كما يمتد هذا التعاون لدعم الحركات الانفصالية في اليمن وجمهورية
"أرض الصومال"، وصولا إلى الموقف المريب من "سد النهضة" الذي
يهدد الأمن المائي المصري. وحتى في الداخل الفلسطيني، يظهر التنسيق في دعم فصائل
وعصابات غير قانونية داخل قطاع غزة لزعزعة الاستقرار الداخلي وصناعة بدائل مشبوهة.
في النهاية، إن
التحالف الإسرائيلي الإماراتي لم يعد مجرد "تطبيع" عابر، بل تحول إلى
محور استراتيجي يسعى لإعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط بما يخدم مصالح الطرفين
الضيقة. ومع تزايد التحديات الإقليمية واتساع الفجوة مع الشعوب، يبقى السؤال: إلى
أي مدى يمكن أن يصمد تحالف "النخبة" أمام غضب "القاعدة"
المتصاعد؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.