في الخامس عشر من
أيار/ مايو 2026، قطع بيان مشترك صدر عن مكتب رئيس الوزراء
الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس حالة الهدوء الهش؛ معلنا نجاح جيش الاحتلال في
اغتيال القائد العام لكتائب القسام،
عز الدين الحداد. ومع توالي الساعات، بدأت
تتضح معالم العملية العسكرية وتفاصيلها الاستخباراتية عبر المنصات العبرية، لتفتح
الباب أمام تساؤلات كبرى حول توقيت العملية، وكيفية تنفيذها، والسيناريوهات المفتوحة
التي تنتظر قطاع
غزة إثر هذا التطور الخطير.
تشريح العملية:
كيف أفلتت المعلومات الاستخباراتية؟
كان عز الدين
الحداد يتولى قيادة "لواء غزة"، قبل أن تؤول إليه مسؤوليّات أوسع عقب
اغتيال القائد العام محمد الضيف وملاحقة محمد السنوار. وتصنفه تل أبيب باعتباره
أحد العقول المدبرة لهجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فضلا عن حياكة
سلسلة من الشائعات والاتهامات الأمنية حوله لتبرير تصفيته.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان بحذافيره سيناريو جنوب لبنان، والـ13 شهرا العاصفة التي عاشها اللبنانيون تحت وطأة وقف إطلاق النار من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 وحتى آذار/ مارس 2026
بدأت خيوط
العملية في تمام الساعة الثامنة و22 دقيقة مساء، حين أعلنت هيئة الإسعاف والطوارئ
في غزة عن سقوط شهداء وجرحى إثر قصف استهدف شقة سكنية في حي الرمال الغربي. ورغم
أن القصف بدا أول الأمر كأحد الخروقات الاعتيادية للهدنة القائمة، إلا أن البيان
المشترك لنتنياهو وكاتس سرعان ما كشف عن الهدف الثمين.
وفقا لإذاعة
الجيش الإسرائيلي ومصادر عبرية متطابقة، فإن قرار تصفية الحداد اتُّخذ خلف
الكواليس منذ نحو أسبوع ونصف، وانتظر الاستخبارات "الفرصة السانحة" التي
تبلورت في الخامس عشر من أيار/ مايو. وتشير المصادر إلى أن رئيس الأركان إيال
زامير هو من أصدر الأوامر بالتعجيل الفوري للتنفيذ فور ورود معلومات استخباراتية
بشرية ونوعية دقيقة حددت موقع الهدف بدقة الدقائق الثمينة.
نُفذت العملية
على موجتين متتاليتين عبر تنسيق بين الطائرات الحربية والمسيرات؛ ركزت الموجة
الأولى على دكّ الشقة السكنية التي كان يتحصن بها الحداد، بينما تعقبت الموجة
الثانية السيارة التي رصدتها أعين الاحتلال باعتبارها وسيلة هروبه المحتملة.
وأسفرت الضربات التي استخدمت 13 صاروخا عن استشهاد 3 مواطنين وإصابة نحو 30 آخرين
في حصيلة أولية، لتطوي إسرائيل بذلك صفحة الجيل المؤسس لكتائب القسام وأعضاء
مجلسها العسكري بالكامل.
خروقات الهدنة:
سيناريو جنوب لبنان يتكرر في غزة
يأتي هذا
الاغتيال النوعي في ظل اتفاق وقف الحرب الساري منذ العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر
2025. ورغم التوقيع على الاتفاق برعاية مصرية في شرم الشيخ، إلا أن إسرائيل لم
تلتزم بأي من بنوده؛ حيث تجاوزت الاعتداءات الإسرائيلية حاجز 5 آلاف خرق أمني،
أسفرت عن ارتقاء أكثر من 600 شهيد خلال أشهر التهدئة.
هذا المشهد يعيد
إلى الأذهان بحذافيره سيناريو جنوب لبنان، والـ13 شهرا العاصفة التي عاشها
اللبنانيون تحت وطأة وقف إطلاق النار من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 وحتى آذار/ مارس
2026. تستغل تل أبيب مناخ "اللا حرب" لتنفيذ استراتيجية "القص
العشبي" الهادئ؛ بهدف تقويض ما تبقى من قدرات
حماس العسكرية وسيادتها
الإدارية على القطاع، مفسحة المجال لتقوية شبكات وعصابات محلية خارجة عن القانون،
مثل عصابات "ياسر أبو شباب" وعصابات "المنسي"، والتي تطمح
إسرائيل بوضوح لتأهيلها كبديل أمني وإداري لحكم غزة في مرحلة ما بعد الحرب.
مستقبل المشهد:
سيناريوهات ما بعد الاغتيال
أمام هذا التطور
الزلزالي، يقف قطاع غزة وحركة حماس أمام مسارين رئيسيين لرسم ملامح المرحلة
المقبلة:
- السيناريو الأول:
التمسك باتفاق وقف الحرب و"الصبر الاستراتيجي"
ينطلق هذا
السيناريو من فرضية عدم لجوء حماس لرد عسكري مباشر أو واسع، والامتناع عن إطلاق
قذائف صاروخية نحو مستوطنات الغلاف أو العمق الإسرائيلي، مع الاكتفاء ببيانات
الإدانة وتحريك قنوات الوساطة للضغط على تل أبيب.
بالنظر إلى المعطيات الميدانية وحجم الدمار الذي شهده القطاع، فضلا عن خسارة الحركة لثلة من أبرز قيادات جناحها العسكري، يبدو أن كفة "الصبر الاستراتيجي" هي الأرجح عقلانيا وسياسيا
يحقق هذا الخيار
للحركة ميزتين؛ الأولى هي الحفاظ على التقدم الصامت في عملية إعادة بناء وترميم
القدرات العسكرية والبشرية الاستراتيجية التي استُنزفت بشدة خلال "طوفان
الأقصى" (وهو نفس النهج الذي اتبعه حزب الله في فترات الهدوء المستقطع)،
والميزة الثانية تتجلى في تعرية الموقف الإسرائيلي دوليا، وإظهار تل أبيب كطرف
وحيد ينقلب على العهود والاتفاقات الدولية أمام الشارع العالمي والوسطاء.
- السيناريو
الثاني: التصعيد الميداني والرد الصاروخي
يقوم هذا
السيناريو على مبدأ الرد العسكري الفوري عبر إطلاق الرشقات الصاروخية نحو غلاف غزة
أو تل أبيب، أو الاشتباك المباشر مع نقاط تمركز الآليات الإسرائيلية داخل القطاع.
وتبدو إسرائيل مستعدة تماما بل ومتأهبة لهذا السيناريو؛ إذ يمر الكيان بحالة
انتخابات ساخنة، ويبحث بنيامين نتنياهو عن أي "صورة نصر" حاسمة تعيد
تسويقه أمام الناخب الإسرائيلي لتأمين ولاية جديدة في رئاسة الوزراء.
خاتمة واستشراف
بالنظر إلى
المعطيات الميدانية وحجم الدمار الذي شهده القطاع، فضلا عن خسارة الحركة لثلة من
أبرز قيادات جناحها العسكري، يبدو أن كفة "الصبر الاستراتيجي" هي الأرجح
عقلانيا وسياسيا. ولنا في شواهد التاريخ القريب أمثلة صريحة؛ حيث آثرت المقاومة
الصمت التنظيمي عند اغتيال القيادي البارز رائد سعد في ظروف مشابهة لضمان استمرار
مسار التهدئة، تماما كما تعامل حزب الله مع اغتيالات قادته الكبار قبيل منعرج
الثاني من آذار/ مارس الماضي.
يبقى القرار
الأخير والنهائي معلقا في أروقة صناع القرار داخل الحركة؛ فإما الذهاب نحو مواجهة
مفتوحة وجولة جديدة من كسر العظام، أو عضّ على الجراح بذكاء سياسي وتفويت الفرصة
على نتنياهو لحين ترتيب الأوراق الداخلية.
* كاتب مصري
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.