دائما
ما كانت مكة المكرمة مكان إبرام اتفاقيات سياسية دولية عديدة عندما تريد المملكة
العربية
السعودية أن تستخدم قوتها الناعمة في العالم الإسلامي، لكن لا أذكر أن
المدينة المقدسة كانت مكانا لإبرام اتفاق
دفاعي وأمني وسط أتون تحديات إقليمية غير
مسبوقة قبل توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين كل من
تركيا والسعودية وباكستان.
وهو اتفاق يحمل مكانه وزمانه رمزية مهمة لا تخطئها عين وسط معادلة جديدة للأمن
الإقليمي.
جاء
اتفاق مكة في وقت حساس تمر به المنطقة، وهناك ثلاث مناطق اشتعال لا يبدو أن هناك
أفقا قريبا لحلها، على رأسها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وثانيها حرب
إسرائيل على غزة التي لم تهدأ وأوشكت أن تتجاوز عامها الثالث، وأخيرا التوغل
الإسرائيلي في لبنان.
ولا
تنحصر نيران هذه المناطق المشتعلة في بقاع جغرافية محددة، إذ طال لظاها دول الخليج
بشكل غير مسبوق، وهناك تهديدات إسرائيلية مباشرة لتركيا، فضلا عن الحدود الملتهبة
بين
باكستان وإيران، ومحاولة إسلام أباد كبح جماح التوغل العسكري عبر المفاوضات
والوساطات.
مدى تفعيل اتفاق مكة مرهون بما ستؤول إليه الأمور في الملفات المشتعلة أو ما قد ينشأ من تحديات، فهذا الاتفاق ليس موجها بالضرورة لما هو قائم من نزاعات وحروب، بل الأرجح عندي أنه موجه لما سوف يكون في قابل الأيام
فمن ناحية الزمان، فإن اشتعال هذه المناطق
واحتمال توسع دائرة الصراع يشكل لحظة اضطرارية دفعت زعماء تركيا والسعودية
وباكستان للذهاب إلى توقيع اتفاقية دفاع مشترك يوم الجمعة في مكة المكرمة. ومن
ناحية المكان، فإن الأصل في مثل هذه الاتفاقيات أن تبرم في إحدى عواصم الدول
الثلاث الموقعة على الاتفاق، ولكن يبدو أن خيار مكة المكرمة، وتحديدا قصر الصفا
الملكي المطل مباشرة على المسجد الحرام، جاء لإضفاء طابع إطار
التحالف الإسلامي
عليها، حتى لا يبدو الأمر وكأنه موجه ضد التحالفات العربية التقليدية التي أثبتت
فشلها في اختبار الأمن الإقليمي خلال السنوات الماضية، مثل جامعة الدول العربية
واتفاقية الدفاع العربي المشتركة المبرمة عام 1950.
اتفاق
مكة هو خطوة إيجابية رغم أنه من المبكر الحكم على مدى نجاحه من عدمه. وقد أشرت قبل
أشهر إلى أن هناك تحالفا سنيا جديد يتشكل في المنطقة بعد تعاظم أوجه التنسيق
السياسي والدفاعي بين كل من تركيا ومصر والسعودية وباكستان، وأن الأحلاف العسكرية
لا تنشأ إلا في ظروف اضطرارية من أجل مصالح دفاعية عاجلة. وبالتالي فإن مدى تفعيل
اتفاق مكة مرهون بما ستؤول إليه الأمور في الملفات المشتعلة أو ما قد ينشأ من
تحديات، فهذا الاتفاق ليس موجها بالضرورة لما هو قائم من نزاعات وحروب، بل الأرجح
عندي أنه موجه لما سوف يكون في قابل الأيام.
إن
القاسم المشترك بين الملفات الثلاثة المشتعلة في المنطقة حاليا هي إسرائيل، وأهم
ما في هذا التحالف أنه استبعد ضمنيا إسرائيل من أن تكون جزءا من معادلة الأمن
الإقليمي، إذ لم ينص على ذلك صراحة، وإنما تجاهلها لأنها خلال السنوات الثلاث
الماضية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنها جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل،
بخلاف ما كان يتم الترويج له قبل السابع من أكتوبر 2023.
أقرب
المقارنات لمثل هذا التحالف هو حلف الناتو، وأعتقد الناتو بكل تاريخه وثقله فقد
بريقه القديم، ولا أعتقد أنه قادر على القيام بوظيفته التي نشأ من أجلها والتي
كانت موجهة بالأساس ضد الاتحاد السوفييتي، وليس أدل على التخبط الذي يضرب أروقته
من السجال الدائر حاليا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعماء الدول الأعضاء في
الحلف وانتقاده العلني لهذا التحالف. وبالتالي فإن النظر لحلف الناتو كنموذج يحتذى
في الدفاع المشترك ليس أمر صحيحا، الأهم من هذا الوصف في الحقيقة هو أن دولة عضوا
أساسيا في حلف الناتو أصبحت شريكا عسكريا لدولتين كبيرتين (السعودية وباكستان) في
معادلة جديدة للأمن الإقليمي؛ سريعة التغير بسبب التحديات التي أفرزتها الصراعات
الحالية.
x.com/HanyBeshr
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.