غزوة سبتة.. أكثر من عبور وأبعد من هجرة

عادل الحامدي
المغرب الصاعد لا ينبغي أن يُترك أسير الصور التي تُنتجها الأزمات، ولا أن تتحول معاناة أبنائه إلى وسيلة للنيل منه.. الأناضول
المغرب الصاعد لا ينبغي أن يُترك أسير الصور التي تُنتجها الأزمات، ولا أن تتحول معاناة أبنائه إلى وسيلة للنيل منه.. الأناضول
شارك الخبر
انتهت غزوة سبتة، لكن آثارها لم تنتهِ. فقد تركت وراءها مشاهد صادمة، وخسائر بشرية ثقيلة، وحصيلة من الضحايا فاقت الخمسين، وهو رقم لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلاً عابراً في حادثة حدودية، بل باعتباره مؤشراً صارخاً على حجم وخطورة ما جرى.

فالأمر، في ظاهره، قد يبدو كأنه موجة من محاولات العبور غير النظامي، أو اندفاع جماعي نحو مدينة محتلة بحثاً عن فرصة أفضل. لكن قراءة المشهد في سياقه الأوسع تفتح الباب أمام أسئلة أكثر تعقيداً: هل كان ما جرى مجرد اندفاع عفوي لمهاجرين يائسين؟ أم أن هناك من وظّف هذا اليأس، أو استثمر فيه، وحوّل معاناة بشرية حقيقية إلى أداة للضغط والإساءة؟

لقد كان المشهد بالغ القسوة: أجساد تتحدى البحر، وأسر تتشبث بأمل الوصول، وشباب يغامرون بأعمارهم، فيما تحولت سبتة إلى مسرح لمأساة إنسانية وسياسية في آن واحد. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا حدث ذلك بهذه الصورة؟ ولماذا في تلك اللحظة تحديداً؟ ومن الذي كان يملك القدرة على استثمار هذا التدفق البشري الهائل وتحويله إلى صورة إعلامية وسياسية ذات أثر يتجاوز الحدود؟
إن فرضية وجود بعد استخباراتي في ما حدث تستحق، على الأقل، أن تُطرح للنقاش والتحقيق. ليس لأن كل مأساة إنسانية هي بالضرورة مؤامرة، وإنما لأن توظيف الأزمات الاجتماعية والسياسية في الصراعات بين الدول ليس أمراً جديداً. وفي حالة المغرب، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة حضوراً إقليمياً ودولياً متنامياً، وأصبح لاعباً أكثر تأثيراً في محيطه، فإن أي محاولة لإغراق صورته في مشاهد الفوضى والاضطراب تستحق قراءة متأنية.

من هذه الزاوية، يصبح البحر جزءاً من المعادلة. فحين يكون العبور من البر شديد الصعوبة بسبب الحواجز والأسلاك والمراقبة، قد يتحول البحر إلى المسار الأقل كلفة في الحسابات الظاهرية، حتى لو كان في الواقع أكثر فتكاً. وهنا تكمن المفارقة المأساوية: حين يصبح البحر أقل قسوة من اليابسة، يصبح الإنسان مستعداً للمخاطرة بحياته في سبيل عبور لا يعرف نهايته.

لكن المأساة الإنسانية لا تلغي البعد السياسي، كما أن البعد السياسي لا ينبغي أن يُستخدم لإلغاء حقيقة المعاناة. فهؤلاء الذين وجدوا أنفسهم في قلب الأحداث ليسوا مجرد أرقام، ولا أدوات في لعبة سياسية، بل بشر حملوا معهم خوفهم ويأسهم وأحلامهم، ودفع بعضهم حياته ثمناً لهذه اللحظة.

وإذا كانت حصيلة الضحايا قد تجاوزت الخمسين، فإن ذلك وحده كافٍ للتأكيد على أن ما جرى لم يكن مشهداً هامشياً يمكن اختزاله في خبر عابر. الرقم، بكل ما يحمله من وجع، يفرض علينا أن نتوقف أمام طبيعة الحدث، وأمام الظروف التي أنتجته، وأمام الجهات التي قد تكون استفادت منه أو سعت إلى توظيفه.

لقد كان المشهد بالغ القسوة: أجساد تتحدى البحر، وأسر تتشبث بأمل الوصول، وشباب يغامرون بأعمارهم، فيما تحولت سبتة إلى مسرح لمأساة إنسانية وسياسية في آن واحد. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا حدث ذلك بهذه الصورة؟ ولماذا في تلك اللحظة تحديداً؟ ومن الذي كان يملك القدرة على استثمار هذا التدفق البشري الهائل وتحويله إلى صورة إعلامية وسياسية ذات أثر يتجاوز الحدود؟

هنا ينبغي التمييز بين مستويين:

الأول هو المستوى الاجتماعي، حيث لا يمكن إنكار وجود مشكلات اقتصادية واجتماعية تدفع بعض الشباب إلى البحث عن مستقبل أفضل، ولا يمكن تجاهل مسؤولية الدولة والمجتمع في معالجة أسباب اليأس والهشاشة والبطالة وغياب الأفق.

أما المستوى الثاني فهو مستوى التوظيف السياسي والأمني لهذه الأوضاع. فوجود معاناة اجتماعية حقيقية لا يعني بالضرورة أن كل ما ينتج عنها عفوي أو غير قابل للاستثمار. وفي عالم أصبحت فيه الحروب الحديثة لا تعتمد فقط على الجيوش والأسلحة، يمكن أن تتحول الحدود والهجرة والفوضى الإعلامية إلى أدوات ضغط ضمن صراعات أكثر تعقيداً.

ومن هنا، فإن الحديث عن "غزوة سبتة" لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره توصيفاً لحركة بشرية نحو مدينة محتلة، بل باعتباره محاولة لقراءة حدث بدا، في نتائجه وتوقيته وصورته الإعلامية، أكبر من مجرد ظاهرة هجرة عابرة.

فالمغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس. إنه بلد صاعد، يوسع حضوره الاقتصادي والدبلوماسي والاستراتيجي، ويعيد بناء موقعه في محيطه الإفريقي والمتوسطي والدولي. وكلما ارتفع وزن دولة ما، ارتفعت معها احتمالات تعرضها لمحاولات التشويش والضغط والاستنزاف، سواء عبر أدوات تقليدية أو من خلال توظيف ملفات حساسة، مثل الهجرة والحدود والأزمات الاجتماعية.

المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس. إنه بلد صاعد، يوسع حضوره الاقتصادي والدبلوماسي والاستراتيجي، ويعيد بناء موقعه في محيطه الإفريقي والمتوسطي والدولي. وكلما ارتفع وزن دولة ما، ارتفعت معها احتمالات تعرضها لمحاولات التشويش والضغط والاستنزاف، سواء عبر أدوات تقليدية أو من خلال توظيف ملفات حساسة، مثل الهجرة والحدود والأزمات الاجتماعية.
ولهذا، فإن التعامل مع ما جرى في سبتة يجب ألا يقتصر على الجانب الأمني، ولا على التفسير الاجتماعي وحده. بل ينبغي فتح تحقيق جاد ومستقل في مختلف جوانب الحدث، بما في ذلك احتمال وجود عمليات منظمة أو محاولات لتوظيف الهجرة الجماعية في صراع سياسي أو استخباراتي يستهدف المغرب.

إن أخطر ما يمكن فعله هو أن نضع كل شيء في خانة واحدة. فلا يجوز أن ننكر معاناة الناس، كما لا يجوز في الوقت نفسه أن نتجاهل احتمال استغلال هذه المعاناة. فالإنسان قد يكون ضحية للفقر واليأس، وقد يكون في الوقت نفسه جزءاً من مشهد أكبر تُحركه مصالح لا يعرف عنها شيئاً.

وإذا كان البحر قد ابتلع أكثر من خمسين ضحية، فإن هذه الأرواح يجب ألا تتحول إلى مجرد أرقام في سجال سياسي. إنها دليل على أن ما جرى كان بالغ الخطورة، وأن هناك حاجة إلى فهم حقيقي لما حدث، لا إلى الاكتفاء بتفسير سطحي يختزل المأساة في عبارة «مهاجرون حاولوا العبور».

لقد كشفت غزوة سبتة عن هشاشة الحدود، لكنها كشفت أيضاً عن هشاشة الإنسان حين يفقد ثقته في المستقبل. وفي الوقت نفسه، كشفت عن قابلية الملفات الاجتماعية للتحول إلى أوراق ضغط في صراعات تتجاوز حدودها الظاهرة.

إن المغرب، وهو يواصل صعوده، مطالب بأن يقرأ مثل هذه الأحداث بعيون مفتوحة: أن يعالج جذور المشكلات الاجتماعية التي تجعل بعض أبنائه مستعدين للمخاطرة بحياتهم، وأن يحمي حدوده، وأن يفكك كل محاولة لاستغلال الهجرة في الضغط عليه أو تشويه صورته، وأن يواجه أي نشاط استخباراتي أو سياسي يستهدف استقراره ومكانته.

في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: لماذا حاول هؤلاء العبور؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: من الذي استفاد من هذا المشهد؟ ومن الذي أراد له أن يتحول إلى صورة تختزل المغرب في الفوضى والهجرة والمأساة؟ وهل كان ما جرى مجرد انفجار اجتماعي عفوي، أم أن هناك من عرف كيف يستثمر في لحظة يصبح فيها البحر أقل قسوة من اليابسة؟

أسئلة كثيرة ما تزال مفتوحة. لكن المؤكد أن غزوة سبتة انتهت، وأن ضحاياها الذين فاق عددهم الخمسين يفرضون علينا ألا نتعامل معها كحادث عابر. فخلف كل جثة قصة إنسانية، وخلف كل مشهد جماعي سياق سياسي، وخلف كل أزمة قابلة للتوظيف قد تكون هناك جهات تنتظر اللحظة المناسبة.

ولذلك، فإن فهم ما حدث لا يحتاج إلى الشعارات، بل إلى التحقيق والبحث والتدقيق. فالمغرب الصاعد لا ينبغي أن يُترك أسير الصور التي تُنتجها الأزمات، ولا أن تتحول معاناة أبنائه إلى وسيلة للنيل منه. وفي عالم أصبحت فيه المعارك تُخاض أحياناً خارج ساحات الحرب التقليدية، قد يكون الدفاع عن الوطن هو أيضاً القدرة على كشف من يحاول استخدام اليأس الإنساني سلاحاً ضد مستقبل بلد بأكمله.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)