مشاريع الإصلاح السياسي في المغرب.. سبعون عاما من التجارب والفشل

عبد الهادي المهادي
واجهت القوى التي اختارت المعارضة من الخارج تحديات عويصة من نوع مختلف؛ تتعلق بالتضييق والحصار، وضعف التوسع المجتمعي، وصعوبة تحويل حركية الاحتجاج إلى مكاسب مؤسساتية حقيقية ودائمة.. الأناضول
واجهت القوى التي اختارت المعارضة من الخارج تحديات عويصة من نوع مختلف؛ تتعلق بالتضييق والحصار، وضعف التوسع المجتمعي، وصعوبة تحويل حركية الاحتجاج إلى مكاسب مؤسساتية حقيقية ودائمة.. الأناضول
شارك الخبر
منذ حصول المغرب على الاستقلال عام 1956م، ظل مطلب الإصلاح السياسي حاضرا في خطاب مختلف القوى السياسية والفكرية، غير أن الحصيلة العامة تكشف أن كل المشاريع التي رفعت هذا الشعار واشتغلت تحته، بدون استثناء، منذ المهدي بنبركة إلى عبد السلام ياسين، لم تنجح في إحداث تحول سياسي مستقر ومتراكم؛ فكيف ولماذا؟

لقد راهنت بعض القوى على "الإصلاح من داخل المؤسسات" من خلال المشاركة في الانتخابات والحكومات والبرلمان، وهي الغالبة، مثل: الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والعدالة والتنمية، بينما اختارت قوى أخرى المعارضة من خارج المؤسسات، مثل: العدل والإحسان والنهج الديمقراطي، عبر الاحتجاج والمقاطعة والضغط المجتمعي.

وعلى الرغم من اختلاف مرجعيات أصحاب تلك المشاريع بين يساريين وإسلاميين، فإن النتيجة، في نهاية المطاف، ظلت واحدة؛ إذ لم يتمكن أي منهم من دفع النظام إلى الالتزام بـ "مسار إصلاحي" ثابت يضمن تراكم المكتسبات وحمايتها من التراجع. وهذا ما يطرح إشكالا واضحا: ما أسباب هذا التعثر رغم تعدد الفاعلين، وتنوع الاستراتيجيات، واختلاف الظروف، وتكرار اللحظات التي بدت فيها فرص التغيير ممكنة؟

لقد راهنت بعض القوى على "الإصلاح من داخل المؤسسات" من خلال المشاركة في الانتخابات والحكومات والبرلمان، وهي الغالبة، مثل: الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والعدالة والتنمية، بينما اختارت قوى أخرى المعارضة من خارج المؤسسات، مثل: العدل والإحسان والنهج الديمقراطي، عبر الاحتجاج والمقاطعة والضغط المجتمعي.
تكمن عناصر هذا الفشل في مجموعة من العوامل المتداخلة؛ فمن جهة يتميز النظام السياسي في المغرب بقدرة كبيرة على التكيف مع الضغوط، ومن ثم لا يجد أي حرج في أن يقدم تنازلات محدودة في فترات الاحتجاج ثم ما يلبث أن يعيد ترتيب موازين القوة لصالحه، مما يسمح له باستعادة "الأراضي" التي تنازل عنها مؤقتا، بل ويزحف على أخرى. ومن جهة ثانية عانت "قوى الإصلاح" من الانقسام والتنافس بعضه كان إيديولوجيا والبعض الآخر كان "تقنيا" إن صح التعبير، وغياب رؤية مشتركة حول الأولويات والوسائل، بل وسقف المطالب وأفق التغيير، الأمر الذي أضعف قدرتها على بناء أهم عنصر في الإصلاح المنشود، وأقصد "جبهة مجتمعية" واسعة قادرة على فرض إصلاحات ممتدة مستدامة. كما أن المشاركة في المؤسسات انتهت، في الغالب، إلى ابتلاع جزء من النخب السياسية داخل منطق التدبير اليومي بدل الاستمرار في الضغط من أجل الإصلاح العميق، وتحول الكثير منهم إلى "نخب مخزنية" تدافع باستماتة عن اختيارات خصم الأمس، في حين واجهت القوى التي اختارت المعارضة من الخارج تحديات عويصة من نوع مختلف؛ تتعلق بالتضييق والحصار، وضعف التوسع المجتمعي، وصعوبة تحويل حركية الاحتجاج إلى مكاسب مؤسساتية حقيقية ودائمة. ويضاف إلى كل هذا ضعف منسوب الاستقلالية لدى الأحزاب والنقابات، وتراجع مهول في الثقة الشعبية في العمل السياسي برمته واتهامه، وهو ما أدى إلى ضعف التعبئة وانخفاض القدرة على التأثير في موازين القوة.

فما العمل؟

يتطلب العمل داخل نسق سياسي غير ديمقراطي، مثل المغرب، يتميز بقدرة هائلة على احتواء النخب وإدماج غالبية الأحزاب ضمن تشكيلته، الانتقال إلى إيجاد فضاءات بديلة للتنظيم والتعبئة وتصريف المواقف، والتوجه نحو بناء شبكات وتنسيقيات مجتمعية مرنة ومستقلة، تشتغل على قضايا ملموسة وقطاعية قادرة على تحريك الشارع وتشكيل "جبهة ضغط من الأسفل".

يتطلب العمل داخل نسق سياسي غير ديمقراطي، مثل المغرب، يتميز بقدرة هائلة على احتواء النخب وإدماج غالبية الأحزاب ضمن تشكيلته، الانتقال إلى إيجاد فضاءات بديلة للتنظيم والتعبئة وتصريف المواقف، والتوجه نحو بناء شبكات وتنسيقيات مجتمعية مرنة ومستقلة، تشتغل على قضايا ملموسة وقطاعية قادرة على تحريك الشارع وتشكيل "جبهة ضغط من الأسفل".
يفرض الواقع، الذي وصفناه أعلاه، على الحركات المجتمعية الحية، تبني استراتيجية العمل التحتي القائم على "النفس الطويل" و"الممانعة"، مع رفض التسويات السريعة التي أثبتت الوقائع بأنها تقود دائما إلى الابتلاع، وهذا يعني تركيز الجهود على نشر الوعي السياسي وتفكيك أطروحات التوجه الرسمي، وتحويل الفضاء الرقمي والشبكات الاجتماعية إلى ساحات مفتوحة للنقاش العميق وبناء البدائل.

وهذا الخيار يقتضي، أول ما يقتضيه، أن يكون الصف الداخلي لتلك الحركات متجذرا، متينا، واعيا... ومستعدا.

وهنا سيغدو العمل فعالا، فينطلق من استغلال التناقضات الداخلية للنسق الحاكم، والضغط المستمر عبر واجهات متعددة ومستقلة لانتزاع فضاءات جديدة للحرية والتنظيم، مع جعل أي تفاوض أو تراجع من جانب النظام مشروطا بـ "ضمانات دستورية" وقانونية واضحة ومحصنة، تشكل لبنات مسار بنائي تراكمي يقود في نهاية المطاف، بعد شد وجذب، إلى خلخلة موازين القوة وبناء أسس لتحول ديمقراطي متفق بشأنه بين جميع القوى بدون اقصاء أحد باستثناء من يثبت تعامله مع الخارج أو خيانته للوطن.

هل هذا يعني أنه لا أمل في قيام "كتلة تاريخية"، أو "جبهة موحدة" بين الفاعلين السياسيين لتوحيد النضال من أجل الإصلاح السياسي المنشود؟

قد يصبح لهذا الأمل مشروعَ تَحققٍ إذا حصل تغيرٌ في بعض الظروف والسياقات والمسارات، وهو تغير ممكن وله سوابق كثيرة، أما بشروط اليوم؛ فهو أمر متعذر.

*كاتب من المغرب


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)