هذا الموقع يستخدم ملف تعريف الارتباط Cookie
لقد راهنت بعض القوى على "الإصلاح من داخل المؤسسات" من خلال المشاركة في الانتخابات والحكومات والبرلمان، وهي الغالبة، مثل: الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والعدالة والتنمية، بينما اختارت قوى أخرى المعارضة من خارج المؤسسات، مثل: العدل والإحسان والنهج الديمقراطي، عبر الاحتجاج والمقاطعة والضغط المجتمعي.تكمن عناصر هذا الفشل في مجموعة من العوامل المتداخلة؛ فمن جهة يتميز النظام السياسي في المغرب بقدرة كبيرة على التكيف مع الضغوط، ومن ثم لا يجد أي حرج في أن يقدم تنازلات محدودة في فترات الاحتجاج ثم ما يلبث أن يعيد ترتيب موازين القوة لصالحه، مما يسمح له باستعادة "الأراضي" التي تنازل عنها مؤقتا، بل ويزحف على أخرى. ومن جهة ثانية عانت "قوى الإصلاح" من الانقسام والتنافس بعضه كان إيديولوجيا والبعض الآخر كان "تقنيا" إن صح التعبير، وغياب رؤية مشتركة حول الأولويات والوسائل، بل وسقف المطالب وأفق التغيير، الأمر الذي أضعف قدرتها على بناء أهم عنصر في الإصلاح المنشود، وأقصد "جبهة مجتمعية" واسعة قادرة على فرض إصلاحات ممتدة مستدامة. كما أن المشاركة في المؤسسات انتهت، في الغالب، إلى ابتلاع جزء من النخب السياسية داخل منطق التدبير اليومي بدل الاستمرار في الضغط من أجل الإصلاح العميق، وتحول الكثير منهم إلى "نخب مخزنية" تدافع باستماتة عن اختيارات خصم الأمس، في حين واجهت القوى التي اختارت المعارضة من الخارج تحديات عويصة من نوع مختلف؛ تتعلق بالتضييق والحصار، وضعف التوسع المجتمعي، وصعوبة تحويل حركية الاحتجاج إلى مكاسب مؤسساتية حقيقية ودائمة. ويضاف إلى كل هذا ضعف منسوب الاستقلالية لدى الأحزاب والنقابات، وتراجع مهول في الثقة الشعبية في العمل السياسي برمته واتهامه، وهو ما أدى إلى ضعف التعبئة وانخفاض القدرة على التأثير في موازين القوة.
يتطلب العمل داخل نسق سياسي غير ديمقراطي، مثل المغرب، يتميز بقدرة هائلة على احتواء النخب وإدماج غالبية الأحزاب ضمن تشكيلته، الانتقال إلى إيجاد فضاءات بديلة للتنظيم والتعبئة وتصريف المواقف، والتوجه نحو بناء شبكات وتنسيقيات مجتمعية مرنة ومستقلة، تشتغل على قضايا ملموسة وقطاعية قادرة على تحريك الشارع وتشكيل "جبهة ضغط من الأسفل".يفرض الواقع، الذي وصفناه أعلاه، على الحركات المجتمعية الحية، تبني استراتيجية العمل التحتي القائم على "النفس الطويل" و"الممانعة"، مع رفض التسويات السريعة التي أثبتت الوقائع بأنها تقود دائما إلى الابتلاع، وهذا يعني تركيز الجهود على نشر الوعي السياسي وتفكيك أطروحات التوجه الرسمي، وتحويل الفضاء الرقمي والشبكات الاجتماعية إلى ساحات مفتوحة للنقاش العميق وبناء البدائل.