إذا كانت حياة الإنسان عبارة عن سلسلة من
المواقف المسؤولة تجاه الاحداث والمتغيرات والظواهر الحياتية، ولا يتحقق له البقاء
والديمومة ما لم يتفاعل مع محيطه ويؤثر ويتأثر به، فإن الدول أيضا لها نفس وظائف
الإنسان"الأخلاقية"وتتحمل المسؤولية ذاتها باعتبارها تجسيدا لأفكاره
وآرائه السياسية.
عبر هذه المواقف المسؤولة تظهر المعادن
الحقيقية للإنسان والدول على حد سواء ومستوى رقيهما وحضارتهما، وقد سجل التاريخ
مواقف بطولية لدول ورجال تصدوا لظلم أنظمة حكم قمعية تقودها طغاة ودول جائرة لولا
صلابتهم وثباتهم في الوقوف بوجه هذه الأنظمة والتصدي لها لتغير مجرى التاريخ، فلا أحد
يعلم كيف يمكن أن يكون شكل العالم اليوم إن لم يقف رجل مثل "الظاهر
بيبرس"(1221 ـ 1277) بوجه الطوفان المغولي على العالم الإسلامي، وكيف كان
شكله إن لم تتدخل أمريكا في الحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945 بجانب قوات
الحلفاء ضد قوات المحور بقيادة الطاغية "هتلر" عندما كانت نتائج الحرب
تؤشر لصالح قوات المحور، ولكن تغير ميزان
القوى لصالح قوات الحلفاء ما إن دخلت أمريكا في الحرب، وكذلك الأمر بالنسبة لصدام
حسين الذي غزا الكويت واستباح أهلها (1991)، لا يمكن لأحد أن يتخيل وضع الدول
العربية والخليج والعالم إن ظل الاحتلال
العراقي جاثما على صدر الكويتيين لحد الآن
ولم يبادر المجتمع الدولي بإبداء موقف صارم ضده!
صحيح أن أمريكا ساندت شعوب ودول لمواجهة أنظمة دكتاتورية في مناطق من العالم ولكنها أيضا دعمت أنظمة قمعية ووقفت ضد طموحات الشعوب وتجاهلت حقوقهم المشروعة في مناطق أخرى من العالم
فهل
توجيه عبارات المناشدة والاسترحام باسم الإنسانية والعروبة والإسلام كانت تكفي لإخراجه
من الكويت؟ طبعا لا، بدليل أن العالم كله ظل لشهور يناشده ويحثه على الخروج من
الكويت ويستجيب لدعوات السلام المتكررة ولكنه أبى وأصر على مواصلة جريمته النكراء،
فكان لا بد من موقف عملي حازم يردعه عن غيه، ويضعه في حجمه الطبيعي، وهكذا كان..
هب العالم كله على قلب رجل واحد بوجه
الطاغية واستطاع أن يرضخه لقوانينه بقوة السلاح، وطبعا لولا صلابة بعض الدول
الخليجية وإصرارها على طرد الغازي المحتل من الكويت ومعاقبته بما يليق وفعلته
الشنيعة لما استطاع المجتمع الدولي أن ينجح في مسعاه.. ولو وجد صدام موقفا صارما
مشابها للموقف الذي أبداه المجتمع الدولي تجاه الكويت لما تجرأ صدام من ارتکاب
جرائم بحق الكرد، ولكن موقف المجتمع الدولي المتراخي إزاء ما تعرض له الشعب الكردي
من قبل وتساهله في محاسبة نظام الطاغية صدام دفعه إلى معاودة جريمته في الكويت!
صحيح أن أمريكا ساندت شعوب ودول لمواجهة أنظمة
دكتاتورية في مناطق من العالم ولكنها أيضا دعمت أنظمة قمعية ووقفت ضد طموحات
الشعوب وتجاهلت حقوقهم المشروعة في مناطق أخرى من العالم، مثلا لو أيدت أمريكا
الاستفتاء الديمقراطي "وفق المواصفات الغربية "الذي أجراه الشعب الكردي
عام 2017 للانفصال عن النظام الطائفي في
العراق وتشكيل دولته القومية، لتغيرت ملامح الشرق الأوسط وتغيرت معها مفاهيم
سياسية ظلت راسخة لقرن من الزمن تهيمن على شعوب المنطقة، ولكن أمريكا ارتأت أن تقف
مع بغداد ضد الحلم الكردي من خلال السماح لها باستعمال القوة العسكرية لغزو
واحتلال 51% من أراضي الإقليم!
والنتيجة أن الشعب الكردي بعد إجهاض عملية
الاستفتاء من قبل الرئيس"ترامب" بدواعي وأسباب واهية وغير مبررة، تعرض
وما زال يتعرض لأبشع أنواع الانتقام من قبل السلطة الطائفية في بغداد تجسدت في قطع
الرواتب ومصادرة النفط وممارسة سياسة التجويع الممنهج ضده على مرأى ومسمع من
العالم!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.