في مدينة ليفربول البريطانية، على ضفاف نهر
الميرسي، تنتشر أقفال صغيرة تركها عشاق أرادوا أن يقولوا للزمن ما لا تكفي الكلمات
لقوله. يكتب الحبيبان اسميهما على قفل، يضمّانه إلى الجسر، ثم يغلقانه معاً،
ويرميان المفتاح في البحر. لا يعود القفل مجرد قطعة من الحديد؛ يصبح وعداً بأن ما
جمعهما لن تملك الأيام مفتاحاً لفكّه.
ثمة علاقة في التاريخ العربي تشبه ذلك
القفل. إنها العلاقة بين
سوريا وفلسطين.
لم تبدأ هذه العلاقة بقرار سياسي، ولم تنتهِ
بتوقيع اتفاق، ولم تكن يوماً رهينة مزاج حكومة أو تحالف عابر. إنها أقدم من الحدود
التي فصلت البلدين، وأعمق من خرائط السياسة، وأثقل من أن تختصر في بيانات التضامن.
ولذلك فإن سوريا التي تخرج اليوم من أكثر
مراحل تاريخها قسوة، وتفتح نوافذها على العالم، وتعيد بناء مؤسساتها واقتصادها
وعلاقاتها، لا تبدأ حياة جديدة بإغلاق الباب خلف
فلسطين. على العكس؛ لعل أحد المعاني الكبرى لانبعاث
سوريا أن تستعيد قدرتها على حمل قضيتها العربية من موقع الدولة، لا من موقع الساحة
المستباحة.
إن سوريا التي تخرج اليوم من أكثر مراحل تاريخها قسوة، وتفتح نوافذها على العالم، وتعيد بناء مؤسساتها واقتصادها وعلاقاتها، لا تبدأ حياة جديدة بإغلاق الباب خلف فلسطين. على العكس؛ لعل أحد المعاني الكبرى لانبعاث سوريا أن تستعيد قدرتها على حمل قضيتها العربية من موقع الدولة، لا من موقع الساحة المستباحة.
لقد كان سقوط نظام الأسد نهاية حقبة طويلة
لم تختطف فيها السلطة السياسة السورية فحسب، بل اختطفت معنى الدولة نفسها. تحولت
الجمهورية إلى جهاز أمني، والمواطنة إلى درجات من الولاء، والوطن إلى مساحة تديرها
أجهزة ومراكز نفوذ، بينما كان السوريون يدفعون الثمن في السجون والمنافي والمقابر.
وحين انكسرت تلك المنظومة، لم ترث سوريا
دولة جاهزة تستطيع أن تبدأ منها؛ ورثت بلداً منهكاً، واقتصاداً محطماً، ومجتمعاً
مثقلاً بالضحايا، وجغرافيا تتنازعها مشاريع متعددة.
من هنا تبدأ صعوبة اللحظة الراهنة. فالنهضة
السورية ليست ترميماً لما تهدم فقط، وإنما محاولة لبناء دولة تستطيع أن تكون صاحبة
قرارها.
ولهذا تبدو الخطوات التي تتخذها دمشق في
اتجاه توحيد مؤسسات الدولة ودمج القوى المسلحة في بنيتها أكثر أهمية من كونها
ترتيبات أمنية مؤقتة. وإعلان مظلوم عبدي حل «قسد» والإدارة الذاتية واندماجهما في
الدولة السورية يفتح، إذا اكتمل تنفيذه، باباً لإعادة تعريف العلاقة بين المركز
والأطراف على قاعدة مختلفة: دولة واحدة لا تلغي التعدد، وتعدد لا يتحول إلى جزر
سياسية منفصلة.
فالدرس الذي خلفته السنوات الماضية واضح: لا
يمكن لسوريا أن تستقر إذا بقي السلاح موزعاً بين مشاريع متنافسة، كما لا يمكن أن
تستقر إذا تعاملت الدولة مع تنوع مواطنيها باعتباره تهديداً.
ولهذا فإن الاعتراف بحقوق الكرد، بما في ذلك
حق التعليم باللغة الأم، ليس تنازلاً عن الوحدة السورية، بل يمكن أن يكون أحد
شروطها. فالدولة التي تطلب من مواطنيها الانتماء إليها يجب أن تمنحهم في المقابل
شعوراً بأن هوياتهم ليست موضع خوف.
وهنا تحديداً تظهر المسافة بين سوريا
القديمة وسوريا التي يفترض أن تولد. الأولى كانت تريد مواطناً تابعاً. أما الثانية
فعليها أن تصنع مواطناً شريكاً.
وهذا التحول الداخلي هو الذي يمنح الانفتاح
الخارجي معناه الحقيقي. فإزالة الولايات المتحدة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية
للإرهاب ليست مجرد خطوة تقنية في ملف العقوبات؛ إنها إزالة لواحد من العوائق التي
حالت طويلاً دون عودة سوريا إلى الاقتصاد الدولي. ومع حديث واشنطن عن انتقال رأس
المال والاستثمار وريادة الأعمال إلى موقع الصراع والعزلة، تصبح أمام السوريين
فرصة نادرة: أن ينتقلوا من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد البناء.
لكن الاقتصاد وحده لا يصنع نهضة. النهضة
تحتاج إلى شبكة من
العلاقات تعيد وصل سوريا بمحيطها. التجارة التركية المتنامية،
والرحلات الجوية التي تعيد دمشق إلى العواصم الأوروبية، ومحاولة إعادة الربط
السككي مع لبنان، وبناء نظام مالي حديث، كلها أجزاء من عملية واحدة: إخراج سوريا
من الجغرافيا المغلقة التي حُبست فيها طوال سنوات الحرب.
وهنا بالذات تتضح المفارقة. سوريا لا تستعيد
مكانتها في العالم لكي تنفصل عن قضايا المنطقة؛ بل لكي تصبح قادرة على التعامل
معها من موقع دولة طبيعية.
وهذا ينقلنا إلى فلسطين. ففلسطين ليست حملاً
ينبغي لسوريا أن تتخلص منه كي تنجح في إعادة الإعمار. وليست ورقة ينبغي وضعها على
طاولة المساومات مقابل الاستثمار أو رفع العقوبات. وليست بديلاً عن الأولويات
الداخلية. إنها جزء من الذاكرة السياسية والأخلاقية
التي تشكلت عليها سوريا الحديثة.
وقد يكون الخطأ الأكبر هو وضع نهضة سوريا في
مواجهة فلسطين، وكأن على السوريين أن يختاروا بين بناء وطنهم والوفاء لقضية الشعب
الفلسطيني. ذلك اختيار زائف. فالسوري الذي يريد بيتاً آمناً لا يخون فلسطين.
والعامل الذي يريد مصنعاً يعمل لا ينسحب من القضية. والطالب الذي يريد جامعة
مستقرة لا يتخلى عن القدس. بل إن الدولة السورية القوية، إذا نشأت على أساس
المواطنة والقانون، ستكون أقدر على اتخاذ موقف من فلسطين من دولة منهارة تستنزفها
أزماتها الداخلية. القوة الوطنية ليست بديلاً عن فلسطين؛ إنها
إحدى أدوات القدرة على خدمتها.
لا ينبغي أن يقال للسوري إن إعادة بناء بلده خيانة لدماء الفلسطينيين، كما لا يجوز أن يقال للفلسطيني إن نهضة سوريا تقتضي أن يتخلى عن حقه. كلا الأمرين خطأ. الشهداء لا يطلبون من الأحياء أن يرثوا الخراب. إنهم يتركون لهم مهمة بناء حياة أكثر عدلاً وكرامة.
وهذا هو الفارق بين استخدام القضية وبين
الوفاء لها. لقد استخدمت أنظمة عربية كثيرة فلسطين لتبرير عجزها الداخلي، بينما
بقي الفلسطينيون أنفسهم يدفعون ثمن الصراع. أما سوريا الجديدة فليس مطلوباً منها
أن تستخدم فلسطين لتبرير استمرار أزماتها، بل أن تبني دولة تجعل من دعم فلسطين
خياراً سيادياً مستقلاً، لا وظيفة أيديولوجية مفروضة.
ومن هنا يصبح شهداء سوريا وشهداء فلسطين
جزءاً من ذاكرة أخلاقية متجاورة، من دون أن نمحو خصوصية أي منهما.
لا ينبغي أن يقال للسوري إن إعادة بناء بلده
خيانة لدماء الفلسطينيين، كما لا يجوز أن يقال للفلسطيني إن نهضة سوريا تقتضي أن
يتخلى عن حقه. كلا الأمرين خطأ. الشهداء لا يطلبون من الأحياء أن يرثوا الخراب.
إنهم يتركون لهم مهمة بناء حياة أكثر عدلاً وكرامة.
وهذا ما يجعل التحدي السوري الحالي أكبر من
تغيير نظام سياسي. المطلوب أن تتحول تضحيات السوريين إلى دولة، لا إلى ذاكرة فقط؛
وأن تتحول تضحيات الفلسطينيين إلى حق حي، لا إلى شعار محفوظ في الكتب.
وفي هذه النقطة تلتقي القضيتان من دون أن
تذوب إحداهما في الأخرى. سوريا تحتاج إلى أن تستعيد عافيتها، وفلسطين تحتاج إلى أن
يبقى حقها حياً. وسوريا القوية ليست عبئاً على فلسطين، بل يمكن أن تكون سنداً لها؛
وفلسطين الحرة ليست خطراً على سوريا، بل امتداد طبيعي لوعي عربي تشكل عبر عقود.
أما إسرائيل، التي تحاول اختبار حدود سوريا
الجديدة وفرض وقائع على الأرض، فإن وجودها في المعادلة يذكّر دمشق بأن استعادة
الدولة ليست مشروعاً اقتصادياً فقط. فالدولة التي تريد حماية استقلالها تحتاج إلى
جيش وطني، ومؤسسات شرعية، وعلاقات دولية متوازنة، وقدرة على الدفاع عن حدودها من
دون أن تتحول مرة أخرى إلى دولة حرب دائمة.
تلك هي المعادلة الصعبة: أن تبني سوريا
السلام الداخلي من دون أن تستسلم للضعف الخارجي، وأن تنفتح على العالم من دون أن
تفقد استقلال قرارها، وأن تعيد بناء اقتصادها من دون أن تبيع ذاكرتها.
وفي هذا كله، لا ينبغي أن تتحول فلسطين إلى
عبء على مشروع النهوض السوري، ولا أن يتحول مشروع النهوض إلى ذريعة للتخلي عنها.
بل المطلوب أن يلتقيا عند فكرة واحدة:
الكرامة الوطنية. فالكرامة التي يريدها السوري لوطنه هي ذاتها التي يريدها
الفلسطيني لوطنه، وإن اختلفت الجغرافيا والظروف. ولعل هذا هو المعنى الذي تختصره
أقفال الحب في ليفربول.
إن أجمل ما يمكن أن تفعله سوريا لشهدائها، وللفلسطينيين أيضاً، أن تبني حياة تستحق كل تلك التضحيات.. أن تصبح دولة قوية لا ساحة صراع، ووطناً لا سجناً، ومؤسسات لا أجهزة، وجسراً إلى المستقبل لا قبراً للماضي، عندها فقط تصبح نهضة سوريا امتداداً لجهاد الفلسطينيين، لا بديلاً عنه؛ ويصبح خروجها من الرماد وفاءً للشهداء، لا نسياناً لهم.
الحبيبان لا يلغيان العالم من حولهما حين
يغلقان القفل. يواصلان حياتهما، يعملان، يسافران، يختلفان ويتصالحان، لكنهما
يتركان شاهداً صغيراً يقول إن شيئاً ما بينهما لن يكون قابلاً للمحو. هكذا يمكن أن تكون علاقة سوريا بفلسطين. لا
تمنع سوريا من أن تعود إلى العالم، ولا تمنعها من أن تبني اقتصادها، ولا تحول دون
أن تطور علاقاتها الدولية. لكنها تترك في قلب مشروعها قفلاً لا يفتح. كتب عليه
السوريون والفلسطينيون أسماء كثيرة. أسماء شهداء لم يعودوا إلى بيوتهم، وأسماء مدن
دمرتها الحرب، وأسماء أجيال ولدت في المخيمات والمنافي، وأسماء أمهات انتظرن
أبناءهن ولم يعودوا. ثم أُغلق القفل.
أما المفتاح، فقد أُلقي في بحر التاريخ. قد
تتغير الحكومات، قد تتبدل التحالفات، قد تتغير لغة السياسة، وقد تنهض سوريا من بين
الأنقاض، وتعود دمشق إلى العالم، وتستعيد مؤسساتها واقتصادها ومكانتها، لكن لا أحد
ينبغي أن يبحث عن ذلك المفتاح. لأن سوريا حين تنهض لا ينبغي أن تنسى من دفع
ثمن بقائها، وفلسطين حين تصمد لا ينبغي أن تُطالب سوريا بالبقاء في الركام كي تثبت
وفاءها لها. الحب الحقيقي لا يطلب من الحبيب أن يموت كي يثبت إخلاصه، بل يريده أن
يعيش.
ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن تفعله سوريا
لشهدائها، وللفلسطينيين أيضاً، أن تبني حياة تستحق كل تلك التضحيات.. أن تصبح دولة
قوية لا ساحة صراع، ووطناً لا سجناً، ومؤسسات لا أجهزة، وجسراً إلى المستقبل لا
قبراً للماضي، عندها فقط تصبح نهضة سوريا امتداداً لجهاد الفلسطينيين، لا بديلاً
عنه؛ ويصبح خروجها من الرماد وفاءً للشهداء، لا نسياناً لهم.
وفي ليفربول، سيظل القفل معلقاً فوق الماء.
أما المفتاح، فسيبقى في البحر، وهكذا ينبغي أن تبقى حكاية سوريا وفلسطين: قفلٌ
واحد على جسر التاريخ، ومفتاحٌ أُلقي في البحر، كي لا يأتي زمنٌ يستطيع أن يفكّ
الحب بينهما.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.