إشكال الطائفية في سوريا

حسين عبد العزيز
ما تزال سوريا تعيش مبدأ التعايش القائم على الغلبة، لا على مبدأ الاعتراف، وليست حالة السكون الاجتماعي القائمة حالياً إلا تعبيراً عن لحظات كمونية.. الأناضول
ما تزال سوريا تعيش مبدأ التعايش القائم على الغلبة، لا على مبدأ الاعتراف، وليست حالة السكون الاجتماعي القائمة حالياً إلا تعبيراً عن لحظات كمونية.. الأناضول
شارك الخبر
هل الإشكال الطائفي في سوريا والعراق ولبنان على سبيل المثال، هو إشكال ديني أم اجتماعي أم سياسي؟

في الوهلة الأول يصعُب التمييز بين الأبعاد الثلاثة هذه بسبب التداخل الظاهري بين ما هو ديني وما هو اجتماعي وما هو سياسي، وتبدو العناصر الدينية غير منفصلة عن العناصر الاجتماعية والسياسية، كما كان الأمر في المجتمعات العضوية الوشائجية قديماً.

وتزداد الصعوبة أكثر عند تحليل الطائفية في مجتمعاتنا تاريخياً، هل نشأت الطائفية بالأساس كرد فعل ديني مصحوب بالضرورة برد فعل اجتماعي من قبل الأكثرية السُنية تجاه الأقليات المسيحية والشيعية والعلوية والإسماعيلية والدرزية؟ أم هي نتيجة الاستبعد السياسي تاريخياً؟

إن المجتمعات الحديثة التي شهدت عصرنة اجتماعية بلغة صموئيل هنتنغتون، أو تلك الحديثة التي لم تنجز فيها سيرورة الحداثة بلغة عزمي بشارة، هي المجتمعات التي تكون فيها التوترات السياسية عالية جداً، فتكثر فيها الانقلابات العسكرية (هنتنغتون) وتتعمق فيها سياسات الهُوية (بشارة).
الإجابة عن أسباب نشوء ظاهرة الطائفية تاريخياً مسألة سهلة، فالتمييز يبدأ من الاختلاف في الدين أو المذهب، ثم يُعبر عنها اجتماعياً أولاً وسياسياً لاحقاً، وفي جميع الحالات يبدأ الفعل من الأكثرية، ثم يتحول إلى رد فعل من قبل الأقلية.

غير أن المسألة في مجتمعاتنا العربية المعاصرة (الشرقية على الخصوص) أخذت أبعاداً مختلفة، فنتيجة وفرة التعليم وانتشار ثقافة العولمة والقيم السياسية (الديمقراطية، الليبرالية، العلمانية، سيادة القانون) تراجعت الحمولات الدينية والاجتماعية في توجيه السلوك الطائفي، وأصبح الدين معطى ثقافي وليس مسألة إيمان، أي أن الدين كظاهرة اجتماعية، أصبح انعكاساً لهُوية وكينونة للأقليات.

بعبارة أخرى، ليست هذه الهُوية والكينونة ناجمة عن وعي فردي أو جماعي بعقائد دينية معينة تجعل المكون الاجتماعي في تضاد مع مكون آخر، كما هو حال الشيعة تجاه السنُة، فالمسالأة بالنسبة للشيعة مسألة عقائدية وتاريخية في المقام الأول.

هذا الوضع لا ينطبق على باقي الأقليات المُندرجة تحت عباءة الإسلام (علويون، دروز، إسماعليون)، فبالنسبة للطوائف الثلاث هذه، لا توجد لديهم عقائد دينية متعلقة بأصول الدين بلغة الإسلام، أو لاهوتية بلغة المسيحية، وما صفة الموحدين أو النصيرية أو الإسماعيلية، إلا صفات تعكس حالة كاملة، أي حالة اجتماعية ـ تاريخية ـ هُوياتية، فالأغلبية العظمى من الأفراد المنتمين إلى هذه الطوائف لا يعرفون شيئاً عن دينهم، إلا ما هو عام، وهذا يعني أنهم إما نسيوا العقيدة، أو أنه لا توجد عقيدة ذات ذات تشريعات إلهية يمكن لها أن تستمر كما هو حال المسيحية واليهودية والإسلام السُني، والشيعي.

في حالة الأخير (الإسلام الشيعي) يكمن سبب استمراره تاريخياً ـ على الرغم من احتوائه على ميتافيزقا دينية ـ هو التداخل بين الجانب العقائدي للإسلام، وبين الجوانب الطائفية في العقيدة، ولولا هذا التداخل لتحول الشيعة إلى مثل العلويين والدروز والإسماعليين، عبارة عن هُويات اجتماعية خالية من أي حمولات عقائدية.

الإشكال السياسي

إن المجتمعات الحديثة التي شهدت عصرنة اجتماعية بلغة صموئيل هنتنغتون، أو تلك الحديثة التي لم تنجز فيها سيرورة الحداثة بلغة عزمي بشارة، هي المجتمعات التي تكون فيها التوترات السياسية عالية جداً، فتكثر فيها الانقلابات العسكرية (هنتنغتون) وتتعمق فيها سياسات الهُوية (بشارة).

في هذه المجتمعات يجري تسييس الطائفة لأغراض سياسية، والحالة اللبنانية تاريخياً أفضل مثال على ذلك، فالحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، لم تكن لأسباب عقائدية ـ دينية، بل كانت لأسباب سياسية متعلقة بالهيمنة.

ووقف الطائفة العلوية في جملتها مع نظام الأسد لم يكن لأسباب عقائدية، وإنما لاسباب تتعلق بالهُوية الاجتماعية ـ السياسية، فنظام الأسد لم يحكم باسم الطائفة، وإنما استغل الطائفة لأغراضه الخاصة.

وهنا يُطرح سؤال هام، لماذا وقف العلويون في غالبيتهم ـ لا سيما بسطاء الناس ـ مع النظام؟ إذا نظرنا للبعد الاقتصادي، لوجدنا أن العلويين هم أكثر طائفة فقيرة في سورية، وأحياناً مُعدمة، ولو نظرنا إلى الجانب الديني، لوجدنا أن نظام الأسد (الأب والابن) تبنيا العقيدة السُنية كأساس رسمي للدولة، ولو نظرنا إلى الجانب السياسي، لوجدنا أيضاً عدم وجود طائفة سياسية علوية يمكن أن نصفها بالعلوية السياسية، كما هو الحال مع المارونية السياسية في لبنان سابقاً.

إن إيجاد الحلول للمشكلات الطائفية في سوريا يجب أن يبدأ من المستوى السياسي، لا عن طريق تصريحات عامة تقوم على مبدأ التعايش، بل يجب أن تقوم على مبدأ الاعتراف، وبين التعايش والاعتراف هوة شاسعة: الأولى تقوم على مبدأ الغلبة، غلبة الأكثرية على الأقلية، في حين تقوم الثانية على مبدأ التساوي الاجتماعي ـ السياسي.
إن وقوف العلويين مع نظام الأسد مرتبط بالكينونة السياسية للجماعة، التي كانت تاريخياً تعيش في حالة أقرب إلى الغيتو الاجتماعي، ثم تحولت إلى طائفة اجتماعية منفتحة، ثم وجدت نفسها (في الوعي الجمعي) كطائفة تحكم البلاد، أو بعبارة أصح، كطائفة أنتجت حاكماً يحكم سوريا.

ولذلك، فإن إيجاد الحلول للمشكلات الطائفية في سوريا يجب أن يبدأ من المستوى السياسي، لا عن طريق تصريحات عامة تقوم على مبدأ التعايش، بل يجب أن تقوم على مبدأ الاعتراف، وبين التعايش والاعتراف هوة شاسعة: الأولى تقوم على مبدأ الغلبة، غلبة الأكثرية على الأقلية، في حين تقوم الثانية على مبدأ التساوي الاجتماعي ـ السياسي.

وهذه الأخيرة وحدها هي جوهر الفعل السياسي، كفعل في نباء الدولة الحديثة القائمة على المواطنة الحق، بغض النظر عن الانتماءات الأخرى خارج المجال السياسي التداولي، حيث تتحول هذه الانتماءات إلى مجرد ثقافات تعبر عن هُويات ليس إلا، وليس لها تأثير في المجال السياسي الذي يضمن عبر الدساتير والقوانين حقوق الجميع.

وبناء على ذلك، ما تزال سوريا تعيش مبدأ التعايش القائم على الغلبة، لا على مبدأ الاعتراف، وليست حالة السكون الاجتماعي القائمة حالياً إلا تعبيراً عن لحظات كمونية، قد تنفجر في أي لحظة ولأية اسباب، مهما كانت بسيطة أو تافهة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)