الدولة الغائبة تاريخياً.. سوريا أنموذجاً

حسين عبد العزيز
الدولة الحديثة هي نتاج صيرورة تمايزات في وظائف السلطة ومؤسساتها، وكلما كان التمايز واضحاً، كلما كانت الدولة مؤسسة، وكلما قل التمايز اتجهت الدولة نحو غياب المأسسة، وهيمنة الحكم الاستبدادي..  الأناضول
الدولة الحديثة هي نتاج صيرورة تمايزات في وظائف السلطة ومؤسساتها، وكلما كان التمايز واضحاً، كلما كانت الدولة مؤسسة، وكلما قل التمايز اتجهت الدولة نحو غياب المأسسة، وهيمنة الحكم الاستبدادي.. الأناضول
شارك الخبر
ما الذي يدفع رجل من محافظة إدلب على سبيل المثال لاتهام أهل دمشق بالخيانة وانعدام الأخلاق والشرف وإلى وصف مدينتهم (الحاضرة التاريخية) بأنها أوسخ مدن العالم؟ وما الذي يدفع دمشقي أو دمشقية للتأفف من وجود أدالبة وحلبيين وديريين.. إلخ، في دمشق؟

وما الذي يدفع أشخاصاً من السُنة للقول إن العلويين لا يشبهون المكون الأكثري في سوريا؟ وبالتالي عليهم، أي العلويين، الانزواء في أماكنهم حتى لا يراهم أحد.

وما هي الرغبة الشديدة التي دفعت بعض سكان جبل العرب في الجنوب للإصرار على الانفصال عن سورية بعد وصول تيار سُني إلى الحكم؟

مع سقوط نظام الأسد، تغيرت الشخوص الحاكمة فقط، ولم تتغير آلية الحكم، على الرغم من ضرورة عدم التقليل في مسألة تغير الشخوص الحاكمة، فعلى هذا المستوى انتقلنا من نظام العنف المعمم إلى نظام العنف المجزأ، وانتقلنا من الفساد الممأسس وغياب الحكومة إلى محاولات القضاء على الفساد وتفعيل الحوكمة ضمن الإمكانيات المتاحة.
يُلاحظ في هذه الأسئلة أن الانقسام المجتمعي الحاد لا يقتصر على البعد الطائفي فقط، بل يشمل أيضاً البعد المناطقي، ليس بين الريف والمدينة فحسب، وإنما أيضاً بين المدن ذاتها، حتى المتساوية في عراقتها التاريخية، مثل حلب ودمشق.

لماذا كانت الهُوية الوطنية المركزية ضعيفة تاريخياً أمام الهويات الفرعية (الطائفية، العشائرية، المناطقية)؟ الجواب يكمن في الغياب التاريخي للدولة في سورية، ولتوضيح أسباب هذا الغياب، لا بد من إجراء مقارنة بين مصر وسوريا لغايات إجرائية من شأنها توضيح الفارق، ومن ثم قهم الحالة.

مصر وسوريا

تعود جذور الدولة في مصر تقريباً إلى عام نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد، حيث وجدت مبادئ الحكم المركزي حين قام الملك مينا (نعرمر) بتوحيد مملكتي الشمال والجنوب، وتأسيس مدينة ممفيس كعاصمة للملكة الجديدة (ميت رهينة حالياً التابعة لمحافظة الجيزة على بُعد 20 ـ 25 كيلومترا جنوب القاهرة).

وبين نحو عامي 2050 ـ 1640 ق.م، شهدت مصر ما سمي بعصر الدولة الوسطى، وهي المرحلة التي اتسمت بمركزية شديدة للدولتة، أي مؤسسات سلطوية حاكمة وتحتكر العنف، كما اتسمت بنشاط تجاري وثقافي ومشاريع قومية ملحوظة.

وحتى مع انهيار الدولة الوسطى بفعل غزوات الهكسوس الذين حكموا مصر قرابة 150 عاماً، قبل أن يثور الشعب المصري عليهم بقيادة الملك أحمس الأول، الذي أقام جيشاً عظيماً، تحولت مصر بموجبه إلى إمبراطورية كبرى امتدت من نهر الفرات شرقاً إلى الشلال الرابع على نهر النيل جنوباً (يقع في صحراء المناصير بين مدينة مروي ومنطقة الشايقية في الولاية الشمالية للسودان).

في هذه المرحلة التي أطلق عليها المؤرخون وصف عهد الدولة الحديثة، أصدر فيها أمنحوتب الأول قانوناً بمنع السخرة وبوضع المعايير العادلة للأجور والحوافز، ثم قام تحتمس الأول الذي وسع الحدود المصرية شمالاً وجنوباً، بنشر التعليم والتوسع في فتح المناجم وصناعة التعدين، ثم تحتمس الرابع الذي كان أول من اهتم بتدوين وتسجيل المعاهدات الدولية، ثم أخناتون الذي وحد الآلهة الفرعونية.

خلال هذه المرحلة كانت مصر إمبراطورية ذات حكم شديد المركزية، لتصبح بذلك أول قوة عظمى في التاريخ البشري.

وعلى الرغم من غزوات الأشوريين والفرس والمقدونيين لمصر وإخضاعها، فقد ظلت درة التاج لأي محتل، وظلت تتمتع بالحكم شبه مركزي، ولم تكن مصادفة أن أول تجربة حديثة لبناء دولة حديثة، كانت تجربة محمد علي باشا بداية القرن التاسع عشر.

لم تعرف سوريا تاريخياً الدولة المركزية على غرار مصر، لأسباب جغرافية: في مصر صحراء شاسعة يتوسطها نهر عظيم، وهذان المعطيان الجغرافيان كان لهما دوراً جوهرياً في الخصوصية المصرية، إذ امتد نهر النيل في شريط طولي واحد تتركز حوله الحياة، وقد ساعد هذا الامتداد النهري، الخالي من الحواجز الطبيعية القاطعة، على سهولة التنقل، مما جعل إدارة الدولة مركزيا والسيطرة عليها أمرا ممكنا ومنطقيا، في وقت لعبت الصحراء دور الدرع الطبيعي الذي جعل الغزوات مسألة صعبة، وتتطلب جيوشاً ضخمة.

في سوريا، اتسمت الجغرافية بالتعقيد: سلاسل جبال متداخلة، سهول الداخلية خصبة، وبادية، وهذه معطيات جغرافية عززت من استقلالية المدن والمناطق.

وبحكم موقعها الذي يتخلل طرق التجارة العالمية، كانت سوريا عرضة لأطماع وتأثيرات الخارج، مما حال تاريخياً دون نشوء كيان سياسي مغلق على ذاته، من شأن أن يسمح بنشوء كيان سياسي مركزي (دولة).

هذا الواقع يُفسر صغر وضعف الممالك التي نشأت في سورية، فعلى سبيل المثال كانت مساحة مملكة ماري في الألفية الثالثة قبل الميلاد لا تتجاوز ستين هكتاراً، في حين كانت مملكة إبلا (تل مرديخ) في نفس الفترة محصورة بريف إدلب، وكذلك الأمر فيما يتعلق بمملكة غاريت (رأس شمرة) التي بلغت مساحتها ثلاثون هكتاراً.

وحتى في العهد الآرامي بين القرنين الثاني عشر قبل الميلاد والثامن قبل الميلاد، لم تنشأ دولة مركزية، بل نشأت ممالك آرامية عديدة في سورية (مملكة آرام دمشق، مملكة بيت أجوشي، مملكة بيت عديني، مارات الخابور، فدان آرام، آرام حماة، آرام صوبا.. إلخ).

ولأن هذه الممالك كانت عبارة قبائل بمزيج عرقي ولغوي يضم الآراميين، والحثيين، والحوريين، فإن التنافس والحروب فيما بينهم منعت نشوء دولة مركزية.

"الدولة" القائمة في سوريا الآن، مبنية على مفهوم التغلب الذي هيمن على مجمل التاريخ الإسلامي، وليست الدولة القائمة على التعددية والمشاركة في الحكم وفي الاختيار السياسي، ودون ذلك ستبقى الدولة تنتمي في مفهومها وأهدافها إلى مفهوم الدولة كما كان العصور الوسطى الإسلامية والأوروبية على السواء، أي الوضع التي لا يمكن التمييز فيه بين الدولة ونظام الحكم.
في العصر الهلنستي والروماني، أصبحت سورية بعد فتوحات الإسكندر الأكبر، خاضعة للإمبراطورية السلوقية ثم الرومانية، وخلال هذين العهدين، كانت سورية عبارة عن ساحة للحروب بين المتنافسين (السلوقيون، البطالمة، الرومان).

هذا التنافس بين القوى الإقليمية استمر في سورية لاحقاً بين البيزنطيين والفرس، مما أثر استراتيجياً على استقرارها وتوحدها.

لم تعرف سورية الدولة المركزية إلا لفترة قصيرة جداً، هي فترة عهد بني أمية الذي استمر نحو تسعين عاماً، لتصبح بعدها ولاية منبوذة في العهد العباسي.

سوريا الحالية

الدولة الحديثة هي نتاج صيرورة تمايزات في وظائف السلطة ومؤسساتها، وكلما كان التمايز واضحاً، كلما كانت الدولة مؤسسة، وكلما قل التمايز اتجهت الدولة نحو غياب المأسسة، وهيمنة الحكم الاستبدادي.

هذا الفارق يمكن رؤية مفاعيله في سورية مع اندلاع الثورة عام 2011، مقارنة بتونس ومصر، ففي الحالتين التونسية والمصرية، كان ثمة تمايز بين السلطة ومؤسساتها، أو بعبارة أدق بين النظام الحاكم ومؤسسات الدولة، وهو فارق لم نشهده في سورية، حيث غابت المؤسسات في نظام الحكم.

تحولت مؤسسات الجيش والأمن إلى جانب المؤسسات المدنية من حماية الدولة والشعب إلى حماية النظام، ما سهل على الأخير استخدام أقسى أنواع العنف بحق المتظاهرين، وهو أمر لم يكن ممكناً في تونس ومصر.

ومع سقوط نظام الأسد، تغيرت الشخوص الحاكمة فقط، ولم تتغير آلية الحكم، على الرغم من ضرورة عدم التقليل في مسألة تغير الشخوص الحاكمة، فعلى هذا المستوى انتقلنا من نظام العنف المعمم إلى نظام العنف المجزأ، وانتقلنا من الفساد الممأسس وغياب الحكومة إلى محاولات القضاء على الفساد وتفعيل الحوكمة ضمن الإمكانيات المتاحة.

أما فيما يتعلق بآلية الحكم، فقد ظلت هي نفسها لجهة الاستئثار بالسلطة وتوزيعها، ولجهة غياب العملية الديمقراطية، وهنا غابت الحوكمة في صيرورة بناء الدولة وفق القيم الحديثة، وبقيت الدولة على حالها كما كان في السابق، أي الدولة غير الجامعة لمكونات المجتمع وتطلعاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

"الدولة" القائمة في سوريا الآن، مبنية على مفهوم التغلب الذي هيمن على مجمل التاريخ الإسلامي، وليست الدولة القائمة على التعددية والمشاركة في الحكم وفي الاختيار السياسي، ودون ذلك ستبقى الدولة تنتمي في مفهومها وأهدافها إلى مفهوم الدولة كما كان العصور الوسطى الإسلامية والأوروبية على السواء، أي الوضع التي لا يمكن التمييز فيه بين الدولة ونظام الحكم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)