مع
حرب ناقلات النفط، يكون الصراع الأمريكي
ـ
الإيراني قد انتقل من المجال العسكري المحض، إلى المجال الاقتصادي، وإن بأدوات
عسكرية.
لقد انتهت مرحلة الضغط والردع المتبادل،
بعدما فشل الطرفان في تحقيق انتصارات حاسمة:
ـ لم تنجح الولايات المتحدة في توجيه ضربات
عسكرية قاصمة على إيران تدفعها للاستسلام، ولم ينجح حصارها الاقتصادي في تحقيق
أهدافه، على الرغم من الأزمة الاقتصادية الكبيرة في إيران، في وقت بدت الولايات
المتحدة تعاني من نقص مخزونات صواريخ الباتريوت.
ـ في المقابل، وعلى الرغم من محدودية القوة
العسكرية الإيرانية مقابل القوة العسكرية الأمريكية، استطاعت إيران، بحكم موقعها
الجغرافي ومساحتها وثقلها الديمغرافي واقتصادها المتنوع وعلاقاتها مع دول الجوار
في الشرق والشمال، الصمود وامتصاص الضربات والحصار الأميركي.
لم تنجح الولايات المتحدة في توجيه ضربات عسكرية قاصمة على إيران تدفعها للاستسلام، ولم ينجح حصارها الاقتصادي في تحقيق أهدافه، على الرغم من الأزمة الاقتصادية الكبيرة في إيران، في وقت بدت الولايات المتحدة تعاني من نقص مخزونات صواريخ الباتريوت.
تمتلك الولايات المتحدة القوة العسكرية
الكبيرة، لكنها تفتقد القدرة على ترجمة هذه القوة سياسياً، في حين لا تمتلك إيران
قوة عسكرية موازية للقوة الأمريكية، لكنها تمتلك القدرة على الصمود، وهذا أيضاً
يضعها كند للولايات المتحدة، لكن من دون ترجمة هذا الصمود إلى نتائج سياسية.
أمام هذا الوضع اتجهت الولايات المتحدة إلى
المجالين الاقتصادي والسياسي لتوسيع نطاق الحرب على إيران.
حرب الناقلات
نتيجة الخسائر الإيرانية الباهظة الناجمة عن
الحصار الأمريكي لمضيق هرمز، قرر أصحاب العمائم في طهران نقل التصعيد من صراع
السيطرة على المضيق، إلى توجيه ضربات عسكرية للسفن الحربية الأمريكية في الخليج،
واستهداف قاعدة أمريكية في الأردن بأكثر من ثلاثين صاروخاً باليستياً في أكبر هجوم
تشهده الأشهر الأخيرة، في وقت هدد الحرس الثوري الإيراني بتصعيد رده بشدة على أي
هجمات أخرى، وقال إنه إذا ضرب العدو هدفين أو ثلاثة أهداف لإيران فإنها سترد بضرب
عشرين هدفاً.
التكتيك الإيراني واضح: إيصال رسالة
للولايات المتحدة بأن قواتها العسكرية مهددة بالنيران الإيرانية، وهو تهديد إن
تحقق عملياً، سيكون له تداعيات سياسية كبيرة في واشنطن مع اقتراب موعد الانتخابات
الأمريكية.
من جانبها، ردت الولايات المتحدة على
التصعيد الإيراني بتصعيد مضاعف، عبر إغراقها خمسة ناقلات نفط إيرانية في يوم واحد.
الهدف الأميركي واضح: توجيه ضربة قوية لأحد
أهم مصادر إيران الاقتصادية، وتحويل محاولات إيران عرقلة مرور الناقلات من مضيق
هرمز إلى عبء عليها.
نجحت إيران في عرقلة مرور الناقلات، حيث
تراجع حجم التدفقات النفطية عبر المضيق قبل الثلاثين من أغسطس الماضي من نحو
ثمانية ملايين برميل في اليوم الواحد، إلى نحو حو مليونين برميل بعد الثلاثين من
أغسطس، أي بمعدل تراجع العبور من نحو عشرين ناقلة نفط حسب شركة تحليل البيانات
البحرية "كبلر" إلى سبع ناقلات يومياً.
لكن هذا النجاح، يُقابل بنجاح الحصار الأمريكي
أيضاً الذي يكلف طهران نحو 450 مليون دولارا يومياً وفق صحيفة "وول ستريت
جورنال"، وهنا تعمل الولايات المتحدة على تحويل الميزة الجغرافية لإيران في
مضيق هرمز إلى عبء عليها.
نحن هنا أمام ما يمكن تسميته مكاسرة
الإرادات في ظل عدم قدرة أي طرف على حسم المعركة، لكنها مكاسرة محسوبة إلى حد
بعيد، فكلا الطرفين غير راغبين بتوسيع مدى الحرب والعودة إلى حالة الحرب التي كانت
سائدة في فبراير الماضي، حين تلقت إيران ضربات عسكرية موجعة من دون أن تتأثر
سياسياً، في وقت دفعت الولايات المتحدة تكاليف باهظة لحربها دون أية جدوى سياسية.
هكذا، تراهن الولايات المتحدة على حصار
الاقتصادي من جهة، وعلى توجيه ضربات عسكرية لشريان النفط الإيراني من جهة أخرى من
أجل دفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية في المنطقة وتنازلات فيما يتعلق ببرنامجها
النووي ومنظومة صواريخها الباليستية.
في المقابل، تعول إيران على الوقت، خصوصاً
مع اقتراب الانتخابات الأمريكية وما قد تسفر عنه من تغيير في الشخوص الحاكمة للبيت
الأبيض.
إلى مجلس الأمن
يعد إحالة مجلس محافظي الوكالة الدولية
للطاقة الذرية ملف إيران إلى مجلس الأمن للمرة الأولى منذ 20 عاماً، تحولاً مهماً
على صعيد العمل الدبلوماسي، ليكون المستوى الثالث الذي تلجأ إليه واشنطن إلى
استكمال ضغوطها على إيران.
التكتيك الإيراني واضح: إيصال رسالة للولايات المتحدة بأن قواتها العسكرية مهددة بالنيران الإيرانية، وهو تهديد إن تحقق عملياً، سيكون له تداعيات سياسية كبيرة في واشنطن مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية.
الخطوة جاءت ـ بموافقة 23 دولة وامتناع
ثمانية دول من أصل 35 دولة هم أعضاء في الوكاة الدولية ـ بسبب عدم امتثال إيران
لالتزامات الضمانات وعدم الانتشار.
من المبكر التعويل على نتائج هذه الخطوة،
فهي سيف ذي حدين، فمن جهة يمكن النظر إليها على أنها تطويق سياسي أمريكي
للدبلوماسية الإيرانية، وقطع للصلة بين الوكالة الدولية وإيران، الأمر الذي يضع
إيران غضب المجتمع الدولي.
لكن بالمقابل، وبسبب الفيتو الروسي ـ الصيني
المتوقع في مجلس الأمن لمنع فرض عقوبات إضافية على إيران، ستجد طهران في نقل ملفها
إلى مجلس الأمن فرصة لوقف تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يعني
تحرير برنامجها النووي من الرقابة الدولية وضغوطها، وهو ما عبرت عنه الخارجية
الإيرانية صراحة حين أعلنت أن أمريكا والدول الأوروبية "لن يحصدوا سوى
الإضرار بنظام عدم الانتشار النووي".
لذلك، ووفقاً للمعطيات السابقة، تتراوح
إيران والولايات المتحدة أرجوحة غير متوقفة، ولا يمكن أن تتوقف بفعل آليات الحرب
ذاتها، وإنما بفعل معطيات خارجية، أو تغير في الشخوص الفاعلة للحرب.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.