بعد أكثر من أربعة عقود من
العقوبات الأمريكية، تبدو قدرة
إيران على
الوصول إلى
الدولار واحدة من أكثر مفارقات سياسة العقوبات وضوحا. فواشنطن تستطيع
تضييق القنوات المالية ورفع كلفة التجارة وملاحقة الوسطاء، لكنها لم تتمكن حتى
الآن من قطع الشريان النقدي الذي تحتاجه طهران لتمويل تجارتها والحفاظ على قدر من
الاستقرار في اقتصادها.
تعتمد إيران على شبكة معقدة للالتفاف على العقوبات، تبدأ من
النفط ولا
تنتهي عند الشركات الوسيطة ومحافظ العملات والقنوات الحدودية.
ويظل النفط المصدر الأهم للنقد الأجنبي، مع توجه نحو 90 في المئة من
الصادرات النفطية إلى الصين، فيما بلغت قيمة الصادرات الإيرانية من النفط
والبتروكيماويات والمعادن والصلب والمنتجات الزراعية قرابة 57 مليار دولار خلال
السنة المنتهية في آذار/مارس الماضي، وذهبت نسبة كبيرة منها إلى الصين وتركيا.
طالما استطاعت طهران إعادة تشكيل شبكات تجارتها وتمويلها، فإن العقوبات ستظل معركة استنزاف طويلة، لا سلاحا قادرا بمفرده على خنق الاقتصاد الإيراني
لكن الوصول إلى الدولار لم يعد يتم بالطريقة التقليدية، فجزء من
التجارة الإيرانية مع الصين يُسوّى عبر بنوك صينية أصغر وشركات وسيطة في هونغ كونغ
وقنوات دفع بديلة، قبل تحويل جزء من العائدات إلى الدولار أو عملات أخرى.
والثمن هنا واضح، إذ ارتفع الخصم على النفط الإيراني للمشترين الصينيين
إلى نحو 17 دولارا للبرميل، مقابل نحو 8 دولارات في 2023، أي أن العقوبات لا تمنع
التجارة بالكامل لكنها تجعلها أكثر تكلفة وأقل كفاءة.
وتلعب دول الجوار دورا آخر في هذه المنظومة، من خلال القنوات التجارية
والنقدية عبر الحدود مع العراق وأفغانستان، فيما اتسع استخدام الأصول المشفرة داخل
الاقتصاد الإيراني إلى قرابة 8 مليارات دولار خلال العام الماضي، لتوفير مسارات
إضافية للتحويلات بعيدا عن النظام المصرفي التقليدي.
وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية، وهي أن نجاح العقوبات لا يقاس فقط
بقدرتها على منع الوصول إلى الدولار وإنما بقدرتها على رفع كلفة الحصول عليه
وتقليص الموارد المتاحة للنظام الإيراني. وطالما استطاعت طهران إعادة تشكيل شبكات
تجارتها وتمويلها، فإن العقوبات ستظل معركة استنزاف طويلة، لا سلاحا قادرا بمفرده
على خنق الاقتصاد الإيراني.
المشكلة بالنسبة لواشنطن أن كل قناة تُغلق تدفع طهران إلى ابتكار قناة
أخرى، بينما تتحول الشركات والوسطاء والأسواق الموازية والعملات الرقمية إلى أدوات
لتكييف الاقتصاد مع العقوبات. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي هو كم ستدفع إيران مقابل
كل دولار تحصل عليه؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.