التحول السياسي في الأردن وفرص الاستمرار والنكوص

محمد العودات
لم تستسلم أذرع اللوبيات عند هذا الحد، فبدأت حملة منظمة للتشكيك في الإصلاح السياسي وفي جدواه وقدرته على تقديم حلول لإخراج الأردن من أزمته.
لم تستسلم أذرع اللوبيات عند هذا الحد، فبدأت حملة منظمة للتشكيك في الإصلاح السياسي وفي جدواه وقدرته على تقديم حلول لإخراج الأردن من أزمته.
شارك الخبر
بقرار من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، تم تشكيل لجنة لتحديث منظومة الحياة السياسية، ضمت ممثلين عن معظم المكونات السياسية الأردنية؛ إذ كان العاهل الأردني قد طلب من رئيس اللجنة، رئيس الوزراء الأسبق د. سمير الرفاعي، أن يكون البرنامج الزمني للتحول السياسي خلال عشر سنوات كحد أقصى، ليشكل الأردن حكومة برلمانية في عام 2032.

1 ـ لوبيات عميقة تتربص

تتكون اللوبيات العميقة في الأردن من مجموعة من المكونات المختلفة الفاعلة على الأرض، المتضاربة في المصالح والمتعاونة في آن واحد من أجل إحباط التحول السياسي في الأردن.
أبرز هذه المكونات بعض الشخصيات المتنفذة التي ترى في التحول الديمقراطي والحرية وحكم الشعب نقيضاً للأمن، وتتخذ من هذه الهواجس المبالغ فيها ذريعة للوقوف ضد الإصلاح السياسي.

من يرصد تصرفات أذرع اللوبيات العميقة، يبدو حتى الآن أنها غير مدركة للمخاطر التي يستشعرها عقل الدولة القريب من العاهل الأردني بضرورة الإصلاح السياسي، وكل ما يبحثون عنه هو المحافظة على امتيازاتهم ومكتسباتهم ونفوذهم، وألا يتم أي تغيير يمكن أن يمس مكتسبات الوضع القائم، ومن الواضح أنهم لن يتراجعوا عن مسارهم في محاولة إجهاض مسار الإصلاح السياسي أو تبهيته.
كما تتكون هذه اللوبيات من "الحرس القديم" الذي يرى ضرورة استمرار نمط الدولة الريعية  وأن الأردن ليس بحاجة إلى إصلاح سياسي في بيئة محيطة بعيدة عن الممارسات الديمقراطية، ويعتقد أن مشكلة الأردن تُحل بالدعم المالي العربي والغربي حتى يستمر الأردن دولة مستقرة في المنطقة.

كما تضم هذه اللوبيات أيضاً بعض قادة الشخصيات السياسية  القبلية التي تستفيد من تحويل القبائل الأردنية من مكونات اجتماعية إلى مكونات سياسية مؤقتة يتم استخدامها في المواسم الانتخابية لتضمن وصول هذه الشخصيات إلى مراكز صناعة القرار.

يضاف إلى ذلك طبقة الاستحواذ الاقتصادي  المنظم، من التجار ومقاولي العقود؛ تلك الطبقة التي تدعم بعض الشخصيات للوصول إلى السلطة والاستفادة من نفوذهم للاستحواذ على العقود الحكومية.

كما تتكون هذه اللوبيات من نادي كبار المتنفذين في مفاصل الدولة الساعين للوصول إلى الوظائف العليا لتكون حكراً عليهم وعلى المقربين منهم.

بالإضافة إلى طبقة صغار الفسدة التي تحاول التحالف مع الوضع القائم من أجل بقاء الحال على ما هو عليه، لاستمرار جني المنافع وفتات المكتسبات غير المشروعة..

لم يكن القرار الملكي بالتحول السياسي ليمر دون محاولات إحباط، إذ إن مثل هذا القرار يعني تبديل كل قواعد المشهد السياسي، الاقتصادي، المالي، والنفوذ في الأردن. سريعاً، تحركت كل مكونات اللوبيات العميقة من أجل إفشال عمل اللجنة وإحباطها، فرأينا في حينها كيف تم استهداف شخصيات وازنة داخل اللجنة الملكية، والنبش في صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل تأليب المجتمع والنخب عليهم. وبدأت شخصيات تلك اللجنة تتهاوى تحت ضربات الاستهداف المنظم وتقدم استقالاتها، قبل أن يتدخل العاهل الأردني ويحمي اللجنة من الاستهداف، ويتكفل بحماية مخرجات اللجنة الملكية وتحويلها إلى قوانين.

بالفعل، استطاعت اللجنة الملكية استكمال أعمالها تحت رعاية وحماية ملكية خاصة، وتم تحويل جميع مخرجات اللجنة إلى مشاريع القوانين وتم تحويلها إلى الحكومة التي أقرتها كما هي، وحولتها إلى مجلس النواب لاستكمال إجراءات تشريعها وفقاً للدستور. وأصبحت تلك القوانين (قانون الأحزاب، قانون الانتخابات البرلمانية، وبعض التعديلات الدستورية المتعلقة بالإصلاح السياسي) نافذة بعد انتهاء إجراءاتها التشريعية الدستورية، وباتت واقعاً قانونياً قائماً.

حاولت اللوبيات العميقة الالتفاف على تلك الإصلاحات من خلال تقديم حزمة من التشريعات لسحب بعض الصلاحيات من الحكومات البرلمانية التي سوف تتشكل  في عام 2032، إلا أن تلك التشريعات لم تؤثر بشكل جوهري على صلب عملية الإصلاح والتحديث السياسي، بل قد تكون أتت بنتائج عكس ما أرادت هذه اللوبيات  إذ شكلت هذه التعديلات حالة من التهدئة والتطمين بأن الإصلاح السياسي سيكون إصلاحاً راشداً، متدرجاً، ومتزناً، لا مجال فيه للتقلبات السياسية الحادة أو تعريض مصالح الوطن العليا لخطر.

بعد ذلك انتقلت أذرع اللوبيات العميقة إلى الخطة (ب) في محاولة لتفريغ الإصلاح السياسي الذي أراده الملك من محتواه؛ إذ ذهبوا إلى مجموعة من الخطوات، أولها استهداف أكبر الأحزاب السياسية "حزب الأمة الإسلامي" والحديث عن إشهار بطاقة حمراء في وجهه والتهديد بحلّه بين الحين والآخر. ثم عمدوا إلى تأسيس أحزاب بقيادة شخصيات حكومية سابقة، وتم تقديم دعم حكومي سخي لها إعلامياً وسياسياً؛ وهي أحزاب تدار بشكل مباشر أو غير مباشر من أذرع اللوبيات العميقة، حتى وصل التدخل في شؤونها الداخلية إلى اختيار قياداتها وتشكيل قوائمها الانتخابية العامة.

والأهم من كل ذلك، استهداف تلك اللوبيات  تأسيس أحزاب سياسية جديدة تحمل أجندة وطنية وترفع يافطة مكافحة الفساد، ومن أبرزها "حزب الشراكة والإنقاذ" المنحل، ومنع أحزاب أخرى تحمل أجندة إصلاحية وطنية ولها امتداد شعبي من التأسيس وتم استهدافها في المهد.
 إلا أن كل تلك الخطوة باءت بالفشل بعد أن حقق حزب المعارضة الإسلامي 40% من عدد أصوات المقترعين في انتخابات 2024، وفشلت جميع الأحزاب المدعومة من اللوبيات العميقة في تحقيق نتائج مؤثرة في العمل البرلماني.

لم تستسلم أذرع اللوبيات عند هذا الحد، فبدأت حملة منظمة للتشكيك في الإصلاح السياسي وفي جدواه وقدرته على تقديم حلول لإخراج الأردن من أزمته. وتحركت ماكنتها الإعلامية مجدداً للحديث عن فشل التجربة ومخرجاتها، وضرورة تعديل قانون الانتخاب، ومنع زيادة الحصة المخصصة للأحزاب والتي من المفترض أن تبلغ 90 مقعداً من أصل 137 مقعداً بحلول انتخابات عام 2032، والتراجع عن فكرة الحكومة البرلمانية التي تُشكل من أغلبية الأحزاب الفائزة في البرلمان.

2 ـ الإصلاح السياسي  بين التقهقر والثبات

هل سوف نشهد حالة من الثبات في التحول السياسي واستمرار الأردن في حماية قانون الانتخاب وحماية البيئة السياسية من العبث بها؟ أم سوف نشهد حالة معاكسة لذلك  وتراجع عن فكرة الحكومة البرلمانية في عام 2032؟

على أرض الواقع، شكل طي ملف حل "حزب الأمة ـ حزب جبهة العمل الإسلامي سابقا " ومنع حل البرلمان الذي انتُخب في عام 2022 بعد أزمة الإخوان والدولة في السنة الماضية، مؤشراً ورسالة مهمة من صانع القرار بأن الأردن حريص على استمرار الإصلاح السياسي، وعدم استهداف حزب الأمة الذي يمكن أن يُفهم شعبياً على أنه استهداف لخياراتهم في  من يمثلهم، مما قد يكسر الثقة الشعبية في الإصلاح السياسي وفي العملية الانتخابية برمتها.

على الصعيد الآخر، فشلت كل جهود التحشيد الإعلامي للوبيات العميقة حول التشكيك بجدوى التحول السياسي؛ فلم يستطع هذا التحشيد المبرمج أن يقنع عقل الدولة  بتعديل قانون الانتخاب والتراجع عن الحكومة البرلمانية حتى الآن وهناك تأكيدات رسمية أن الأردن ماضي في الإصلاح السياسي
  .
وفي المقابل، هناك مؤشرات على استمرار محاولات  اللوبيات العميقة إجهاض حالة التحول السياسي؛ إذ تم استهداف أربعة من نواب حزب الأمة وتحويلهم للقضاء، بعضهم بتهم رأي وجرائم إلكترونية، ونائب آخر بتهمة غسيل الأموال من خلال نشاطه في دعم صمود غزة أثناء العدوان الإسرائيلي عليها. وتقرأ كل تلك الجهود في سبيل الاستنزاف السياسي لحزب الأمة وإشاعة حالة من الإحباط السياسي بين قواعدهم الانتخابية، حتى يؤثر ذلك على قناعتهم بجدوى العملية الانتخابية ويحجموا عن الذهاب للصناديق في الانتخابات القادمة، مما يقلل فرص استحواذهم على عدد أكبر من المقاعد في البرلمان.

كانت فكرة الإصلاح السياسي بمثابة بوابة للإصلاح في المجالات الأخرى كافة، وفي الوقت نفسه، متنفس صادق يقنع النخب والشعب بأن هناك أملاً في نهاية النفق، وخلاصاً من ضنك الحياة الذي يعيشه المواطن الأردني منذ ربع قرن.
كما نجحت جهود اللوبيات العميقة حتى الآن في منع ترخيص "مدرسة أحزاب وسط اليمين" والخروج للحياة السياسية، وإجهاض أي محاولة لتأطير أنفسهم في بناء حزب سياسي يعبر عنهم. وهذا الحرص لدى اللوبيات العميقة  نابع من محاولة تجفيف الساحة السياسية من الأحزاب الحرة والمستقلة في قرارها، حتى إذا ما تم حل حزب الأمة مستقبلاً، لا يكون هناك من يرث الساحة السياسية، وتبقى متاحة فقط للأحزاب المصنوعة والمدعومة من اللوبيات العميقة، أحزاب لن يتجاوز تأثيرها  أكثر مما تريده اللوبيات العميقة نفسها.

3 ـ خطورة الرجوع للوراء

عندما ذهب العاهل الأردني إلى الإصلاح السياسي، كان ذلك لإدراكه الشخصي أن الإصلاح السياسي هو "أبو الإصلاحات" في كل المجالات، وقد رافق ذلك خطة ملكية للإصلاح الاقتصادي والإداري.

يدرك عقل وشخصيات الدولة القريبة من العاهل الأردني أن الوضع الاقتصادي الأردني يمر في حالة حرجة، وأن التعافي الاقتصادي ـ لو بُدئ به فوراً ـ يحتاج إلى أكثر من ربع قرن حتى يشعر الشعب بثماره. كما يدرك عقل الدولة أن البطالة التي ولّدت كل هذا الفقر وهذا البؤس الاقتصادي جعلت الساحة الأردنية مزدحمة بالهشيم الذي يمكنه أن يشتعل في أي وقت بعود ثقاب واحد.

كانت فكرة الإصلاح السياسي بمثابة بوابة للإصلاح في المجالات الأخرى كافة، وفي الوقت نفسه، متنفس صادق يقنع النخب والشعب بأن هناك أملاً في نهاية النفق، وخلاصاً من ضنك الحياة الذي يعيشه المواطن الأردني منذ ربع قرن. هذا الأمل يمكن أن يمنع الانفجارات الاجتماعية أو يخفف حالة الاحتقان الشعبي، ويمكن أن يلطف المزاج العام الذي يعيشه الشعب الأردني، ويعيد ترميم الأمل في نفوسهم بأن هناك مستقبلاً أفضل ينتظرهم في نهاية الطريق. وهو أمل يحمي الأردن من الانزلاق إلى مربعات وقعت فيها دول الربيع العربي بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وانعدام العدالة الاجتماعية، خاصة أن هناك ملامح موجة ثانية من الربيع العربي بدأت تتشكل في المنطقة بعد سقوط نظام الأسد ونجاح الثورة السورية، التي كانت تشكل مأساة العصر الحديث وتوقف عندها قطار الربيع العرب الأول.

من يرصد تصرفات أذرع اللوبيات العميقة، يبدو حتى الآن  أنها غير مدركة للمخاطر التي يستشعرها عقل الدولة القريب من العاهل الأردني بضرورة الإصلاح السياسي، وكل ما يبحثون عنه هو المحافظة على امتيازاتهم ومكتسباتهم ونفوذهم، وألا يتم أي تغيير يمكن أن يمس مكتسبات الوضع القائم، ومن الواضح أنهم لن يتراجعوا عن مسارهم في محاولة إجهاض مسار الإصلاح السياسي أو تبهيته.

حماية قانون الانتخاب في المدة القادمة من العبث به يعد مؤشراً مهماً وفاصلاً على الاتجاه الذي ستذهب إليه الدولة الأردنية: هل هي ذاهبة نحو استمرار الإصلاح السياسي والدولة الديمقراطية بما يحفظ البلاد وأمنها واستقرارها، أم خضوع للوبيات العميقة والتراجع عن الإصلاح الذي  يشعل فتيل اليأس السياسي الذي قد يهيئ البيئة التي تهدد استقرار الدولة وازدهارها؟


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)