التداعيات المحتملة لتدخل سوري ضد حزب الله

مأمون أبو عامر
في ظل هشاشة الوضع الإقليمي والداخلي، قد يكون ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح، دون الانخراط في حرب مباشرة، هو الخيار الأكثر واقعية وأقل كلفة على الدولة السورية في هذه المرحلة.
في ظل هشاشة الوضع الإقليمي والداخلي، قد يكون ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح، دون الانخراط في حرب مباشرة، هو الخيار الأكثر واقعية وأقل كلفة على الدولة السورية في هذه المرحلة.
شارك الخبر
في ظل تكرار تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تحدث فيها عن دور سوري محتمل في لبنان في ظل نفي سوري متكرر لرفض فكرة التدخل في لبنان أو القيام بأي دور عسكري هناك.

واللافت أن تأتي اليوم تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بما يبدو مختلفًا عن تصريحات الرئيس ترامب، حين قال إن "حزب الله عدو للحكومة السورية ويحاول تقويضها"، مضيفًا أن "سوريا تحاول أن تبني نفسها من جديد وتواجه الكثير من التهديدات". كما ركز روبيو على أهمية الدور السوري في ضبط الحدود مع لبنان ومنع تهريب السلاح.

وهنا يبرز السؤال: هل يعكس هذا التغير في الخطاب الأمريكي إدراكًا متأخرًا لمخاطر أي تدخل سوري مباشر في لبنان؟ أم أنه يعكس إدراكًا أمريكيًا لمخاطر هذا التدخل على الوضع الداخلي في سوريا، وتفهمًا للمخاوف التي تبديها الحكومة السورية، والتي ترى أن ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح هو أقصى ما يمكنها القيام به في هذه المرحلة، دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع حزب الله؟

وتزداد هذه المخاوف في ظل التهديدات الإيرانية التي صدرت مؤخرًا، وكان أبرزها ما نُسب إلى عضو مجلس الأمن القومي الإيراني علي خضريان، الذي حذر من أن أي خطوة سورية ضد حزب الله قد تؤدي إلى تسريع تدخل ما وصفه بـ"قوى المقاومة" داخل الأراضي السورية.

إن السؤال الحقيقي أمام القيادة السورية لا ينبغي أن يكون فقط: هل تستطيع سوريا التدخل عسكريًا ضد حزب الله؟ بل: هل تستطيع الدولة السورية تحمل التداعيات الاستراتيجية والأمنية والسياسية التي قد تترتب على هذا التدخل، وهل تملك القدرة على السيطرة على مسارات التصعيد التي قد تنشأ بعده؟
هذه التهديدات لا يمكن تجاهلها، فهي تعكس إدراكًا إيرانيًا بأن أي معركة تخوضها القوات السورية ضد حزب الله في لبنان قد تتحول إلى معركة وجودية بالنسبة للحزب ومحوره، الأمر الذي قد يدفع إيران وحلفاءها إلى التعامل معها على هذا الأساس، ويفتح أبوابًا من التصعيد والتدخل قد لا تكون القيادة السورية مستعدة لتحمل تبعاتها.

إضافة إلى ذلك، فإن سوريا قد تكون عرضة لهجمات صاروخية إيرانية يمكن أن تلحق أضرارًا بالغة ببلد يحاول إعادة بناء مؤسسات الدولة والنهوض من آثار 14 عامًا من الحرب والدمار الذي خلفه النظام السابق. ومن هنا، فإن أي قرار بالتدخل العسكري في لبنان قد يضع الدولة السورية أمام مجموعة من المخاطر والتهديدات، أبرزها:

التهديد الأول ـ مواجهة قاسية مع حزب الله

قد تجد القوات السورية نفسها أمام مواجهة عسكرية صعبة مع حزب الله، الذي يمتلك خبرة قتالية كبيرة وتنظيمًا متماسكًا، رغم الخسائر التي تعرض لها في المواجهات السابقة. كما أن الحزب، في ظل أي تصعيد جديد، قد يدخل في حالة تعبئة كاملة لمواجهة القوات السورية، بما ينذر بمعركة قاسية ومكلفة للطرفين.

التهديد الثاني ـ فتح مواجهة مع المليشيات المرتبطة بإيران

إن الدخول في مواجهة مع حزب الله قد لا يبقى محصورًا في الجغرافيا اللبنانية، بل قد يفتح الباب أمام تدخل مليشيات شيعية مرتبطة بإيران، ولا سيما في العراق، خاصة في ضوء التهديدات التي صدرت عن مسؤولين إيرانيين، والتي أشارت إلى أن الفصائل العراقية لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تعرض حزب الله للخطر انطلاقًا من الأراضي السورية.

التهديد الثالث ـ خطر الانزلاق إلى حرب طائفية إقليمية

فتح جبهتين في آن واحد، مع حزب الله من جهة والمليشيات المرتبطة بإيران من جهة أخرى، قد يدفع المنطقة نحو مواجهة ذات طابع طائفي خطير، لن تظل محصورة داخل الحدود السورية، بل قد تمتد إلى دول أخرى، ولا سيما العراق، الذي عانى لسنوات طويلة من ويلات الصراع الطائفي.

التهديد الرابع ـ استغلال الانشغال السوري لفتح جبهات داخلية

من يضمن ألا تستغل القوى الطائفية والعرقية داخل سوريا انشغال الدولة في مواجهة خارجية، لإعادة ترتيب أوراقها وتوسيع نفوذها؟

ففي حال انشغال الجيش السوري في مواجهة حزب الله على الجبهة اللبنانية، والمليشيات المرتبطة بإيران على جبهات أخرى، قد تجد بعض القوى المحلية فرصة للتحرك مجددًا، بما في ذلك القوى الدرزية المسلحة في الجنوب، بهدف توسيع نفوذها وتعزيز ارتباطها بالقوى الإسرائيلية.

التهديد الخامس ـ عودة فلول النظام السابق إلى الساحل

من يضمن ألا تستغل فلول النظام الأسدي السابق أي ضعف أو انشغال للدولة، لفتح جبهة جديدة في الساحل السوري، وربما السعي إلى إقامة كيان منفصل بدعم خارجي، سواء من إيران أو من جهات أخرى؟

إن أي تراجع في قدرة الحكومة السورية المركزية على بسط سيطرتها قد يشجع القوى الكردية المسلحة على استغلال الفرصة لتعزيز نفوذها، وربما الدفع مجددًا نحو مشروع حكم ذاتي موسع أو كيان منفصل، أسوة بما قد تسعى إليه قوى أخرى في حال تفكك مركز الدولة.
التهديد السادس ـ اتساع الفوضى الداخلية

قد يؤدي انشغال الدولة السورية بحرب خارجية إلى إضعاف قدرتها على ضبط الوضع الداخلي، ويفتح المجال أمام قوى ومجموعات مسلحة كامنة في مناطق مختلفة من البلاد، بما فيها حماة وحمص ومحيط العاصمة دمشق، للتحرك تحت عناوين طائفية أو عرقية، بما يهدد وحدة الدولة واستقرارها.

التهديد السابع ـ استغلال الضعف المركزي من قبل القوى الكردية

إن أي تراجع في قدرة الحكومة السورية المركزية على بسط سيطرتها قد يشجع القوى الكردية المسلحة على استغلال الفرصة لتعزيز نفوذها، وربما الدفع مجددًا نحو مشروع حكم ذاتي موسع أو كيان منفصل، أسوة بما قد تسعى إليه قوى أخرى في حال تفكك مركز الدولة.

الخلاصة

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي أمام القيادة السورية لا ينبغي أن يكون فقط: هل تستطيع سوريا التدخل عسكريًا ضد حزب الله؟ بل: هل تستطيع الدولة السورية تحمل التداعيات الاستراتيجية والأمنية والسياسية التي قد تترتب على هذا التدخل، وهل تملك القدرة على السيطرة على مسارات التصعيد التي قد تنشأ بعده؟

وفي ظل هشاشة الوضع الإقليمي والداخلي، قد يكون ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح، دون الانخراط في حرب مباشرة، هو الخيار الأكثر واقعية وأقل كلفة على الدولة السورية في هذه المرحلة.



المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)