هل يتورط الشرع بلبنان؟

غازي دحمان
"ثمّة مؤشرات على وجود صفقة ما بين الطرفين"- جيتي
"ثمّة مؤشرات على وجود صفقة ما بين الطرفين"- جيتي
شارك الخبر
في حديثه الأخير عن سوريا ولبنان، ذكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن الرئيس السوري أحمد الشرع يود القيام بمواجهة حزب الله في لبنان، ولدى وضع هذه العبارة في الميزان الدبلوماسي، نجد أنها تنطوي على تأكيد من رئيس دولة عظمى، يعرف الفرق بين الممكن وغير الممكن، بين "قد نتدخل" وبين "نرغب بالتدخل"، فالأولى تنطوي على مجاملة دبلوماسية لما تمثله من لغة مسايرة ومفتوحة على زمان قد يأتي أو لا يأتي، في حين أن الثانية تندرج في إطار رغبة يجري تحويلها إلى إجراء تنفيذي فور استكمال إعداد الأدوات اللازمة.

لا نعرف ماذا جرى بين ترامب والشرع في الاجتماع الذي جمعهما في أنقرة على هامش قمة الناتو، لكن ثمّة مؤشرات على وجود صفقة ما بين الطرفين، ولعل أحد مؤشراتها دفع، أو تشجيع حكومة العراق الجديدة على رفع منسوب تعاونها الاقتصادي مع سوريا والموافقة على وضع مشروع إنشاء خط نفط جديد من البصرة إلى بانياس السورية قيد الدراسة، ما يعني أن إدارة ترامب تخطط جدياً لبناء مشهد جيوسياسي بعد حرب إيران يُبرز حجم تأثيرها في المنطقة ويرسخها كأحد أهم الفواعل في الهندسة الإقليمية الجارية.

يعني أن إدارة ترامب تخطط جدياً لبناء مشهد جيوسياسي بعد حرب إيران يُبرز حجم تأثيرها في المنطقة ويرسخها كأحد أهم الفواعل في الهندسة الإقليمية الجارية

لكن المؤشر الأهم، قد يكون ما أورده موقع "أكسيوس" عن وجود ضغط أمريكي على حكومة الاحتلال الإسرائيلي للانسحاب من الأراضي السورية التي تم احتلالها بعد سقوط نظام الأسد، والتأكيد بأن ترامب أبلغ نتنياهو هذا الأمر فور عودته من أنقرة، يعني عقب اجتماعه بالشرع مباشرة. وربما تدخلت الدبلوماسية التركية لإقناع ترامب بذلك، من منطلق أن الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا يوتّر العلاقات مع تركيا وقد يتحوّل إلى شرارة لنزاع بين الطرفين، ما قد يعيد المنطقة إلى أجواء حرب لا أحد يريدها.

ليس سراً أن العلاقة بين ترامب ونتياهو توتّرت في الأونة الأخيرة بسبب الحرب على إيران، واختلاف أهداف كل طرف منهما في هذه الحرب، لكن هذا التوتر لا ينسحب على كل الملفات التي تتعامل معها إسرائيل في المنطقة، بدليل أن واشنطن تترك الحبل على الغارب لإسرائيل في غزة، رغم اتساع رقعة الاحتجاج حتى في الداخل الأمريكي، على الدعم المقدم لإسرائيل في حرب الإبادة المشينة لشعب غزّة، ولعّل السبب الرئيس أن ترامب يبحث عن صفقة ما، ليفرض على إسرائيل إسكات آلة قتلها في غزة، وقد تكون هذه الصفقة مع دول الخليج العربي بحيث يتم رهن وقف الحرب نهائياً مقابل قبول التطبيع مع إسرائيل.

تطرح آلية التفكير الأمريكية هذه السؤال عما يقف وراء تأكيد ترامب من أن القوات السورية ستجد حلاً لموضوع حزب الله، فهل يكون الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة بعد سقوط النظام هو الثمن المقابل، وفوقه رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، كورقة أخيرة في قائمة العقوبات الأمريكية؟ فعند ترامب لا يوجد شيء بالمجان ولا خدمة لوجه الله، حتى لو كان الأمر يتعلق بالفعل بهندسة مشروع جيوسياسي في المنطقة، فإذا لم يتم تحصيل فوائد المشروع مقدماً فلن يجد ترامب الدافع للسير بهذا الأمر ما لم يقبض بالكاش، فكيف الحال إذا كانت إزالة حزب الله وأذرع إيران؛ أحد اللبنات الأساسية في مشروع ترامب الجيوسياسي في المنطقة؟

عند ترامب لا يوجد شيء بالمجان ولا خدمة لوجه الله، حتى لو كان الأمر يتعلق بالفعل بهندسة مشروع جيوسياسي في المنطقة، فإذا لم يتم تحصيل فوائد المشروع مقدماً فلن يجد ترامب الدافع للسير بهذا الأمر ما لم يقبض بالكاش، فكيف الحال إذا كانت إزالة حزب الله وأذرع إيران؛ أحد اللبنات الأساسية في مشروع ترامب الجيوسياسي في المنطقة؟

لكن بعيداً عن الأسئلة التقنية، بما فيها قدرة الجيش السوري الناشئ على إنجاز هذه المهم مقارنة بإسرائيل التي عجزت عن ذلك في حرب استمرت لأكثر من سنتين وبقوّة نارية لا مثيل لها في العصر الحديث، وبعيداً عن معرفة المدى الزمني الذي يستطيع من خلاله الجيش السوؤي إنجاز هذه المهمة والنطاق الجغرافي الذي ستجري فيه العمليات، لا سيما أن حزب الله يتغلغل في بيئة تنتشر من جنوب لبنان إلى شماله وشرقه، بما فيها العاصمة بيروت نفسها.. بعيداً عن كل ذلك، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل من الأخلاق الهجوم على بيئة حزب الله التي تعرضت خلال عامين لأبشع أنواع التنكيل من قبل العدو الإسرائيلي دون أن يداوي جراحها أحد من العالم العربي؟ ومن أجل مَن وماذا؟.. لإراحة إسرائيل التي نكّلت بالعرب في فلسطين ولبنان وتقهر السوريين صباح مساء؟ وهل يرضى السوريون بذلك؟

قد يرى البعض أن الأخلاق ليست عاملاً مهماً في السياسة، ولا سيما في نمطها الواقعي المسيطر في هذه المرحلة، ما دامت سوريا ستجني فوائد عديدة؛ من الاستثمار إلى كف يد إسرائيل ووقف تهديدها لوحدة سوريا، فلما لا تقبل القيام بمهمة قذرة مثل هذه؟.. لم يسقط نظام الأسد لأنه تعفّف عن القيام بأعمل قذرة، فقد كان متعهدها الأساسي في المنطقة، لكنه سقط لأن ميزان الأخلاق فرض سلطته على عالم السياسة وأصدر حكماً بائنا مؤداه أنه حتى لو لم يكن للأسد بديل، وحتى لو أن إقصاءه سيربك الترتيبات العالمية في الشرق الأوسط، فإن رحيله سينظف التلوث الهائل الذي سببه للقيم الإنسانية، تماماً مثلما سيرحل نتنياهو ويُحاكم قريباً على ما فعله، نظراً لحاجة السياسة لتنظيف نفسها بين فترة وأخرى.  

x.com/ghazidahman1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)