هل تدفع دول الخليج فاتورة إعمار إيران؟

غازي دحمان
"تمويل صندوق إعمار إيران سيؤكد سردية انتصارها في الحرب"- جيتي
"تمويل صندوق إعمار إيران سيؤكد سردية انتصارها في الحرب"- جيتي
شارك الخبر
ينطوي بند تشكيل صندوق لإعمار إيران على إغراء، لدول المنطقة خصوصا، يتمثل بالتخلص من شبح حيازة إيران لسلاح نووي في المستقبل قد يتحوّل إلى سيف على رقبة الجميع، في ظل وجود سلطة إيرانية تستند للأيديولوجيا والموروثات التاريخية في صياغة سياساتها الداخلية والخارجية، كما أن مثل هذا الأمر قد يكون مقدمة لإحداث تغيير فعلي في إيران، بعد أن عجزت القوّة عن ذلك، فمن شأن جلب إيران إلى الشق الاقتصادي أن يدفعها إلى تشذيب سياساتها الخارجية وتغيير مقارباتها تحت إغواء التنمية والازدهار، وقد يحمل هذا التطور في ثناياه بذرة لتغيير النظام الجديد، على قاعدة أن انفتاح أي نظام تضعه على سكة التغيير الحتمي.

غير أن هذا الطرح يمثل ذروة تجليات عقيدة الصفقة الترامبية، باعتبار أنه مخرج لأزمة الحرب التي تورط بها ترامب مع إيران، لا سيما بعد اكتشافه حجم الاستنزاف العسكري الأمريكي ووصوله إلى حدود خطيرة من شأنها الإخلال بتوازنات القوى على المسرح الدولي، مقابل القدرة المفتوحة لإيران على استيعاب الضربات الأمريكية دون الوصول إلى عتبة الاستسلام التي أرادها ترامب.

يتضح من التسريبات الصادرة على جهات أمريكية على علاقة بدوائر القرار أن دول الخليج ربما تكون من أكبر المساهمين في صندوق إعمار إيران، لكن من غير المتوقع أن تقدم هذه الدول على الانخراط في هذا الأمر

ويتضح من التسريبات الصادرة على جهات أمريكية على علاقة بدوائر القرار أن دول الخليج ربما تكون من أكبر المساهمين في صندوق إعمار إيران، لكن من غير المتوقع أن تقدم هذه الدول على الانخراط في هذا الأمر لأسباب عديدة:

أولاً: تمويل صندوق إعمار إيران سيؤكد سردية انتصارها في الحرب وتحولها إلى قوة مهيمنة في المنطقة وفاعل رئيس في صنع المعادلات، وربما تحوّلها إلى قوّة إقليمية مسيطرة ووكيلة كما كانت في زمن الشاه، وهذا أمر خطير بالنسبة لدول المنطقة، ذلك أن له تبعات من نوع التهيؤ لقبول ما هو أبعد من ذلك بكثير، ولا سيما في شأن الترتيبات الإقليمية لمرحلة ما بعد الحرب.

ثانياً: تكبدت الدول الخليجية خسائر مليارية، سواء عبر ضربات إيران المباشرة لمنشأتها الاقتصادية، أو بسبب توقف تصديرها للنفط والغاز، وتعطل سلاسل الإمداد، وضرب السياحة، والمنطق السليم يقول إن من حق هذه الدول الحصول على تعويضات، ومن إيران بالدرجة الأولى، كما أن إيران نفسها أحدثت أضراراً هائلة في محيط الدول الخليجية (سوريا واليمن والعراق)، وأعاقت نمو هذه البلدان وانعكست آثار الخراب بطريقة أو أخرى على دول الخليج.

ثالثاً: لن تقبل دول الخليج دفع ثمن مغامرات ترامب وسوء تقديراته، أو عماه الاستراتيجي، ولن تجد نفسها مضطرة لجبر الضرر الذي أحدثته إسرائيل في إيران، وإذا كانت أمريكا تحارب من أجل تكريس هيمنتها العالمية، وإسرائيل من أجل توسيع مدى سيطرتها الإقليمية، فلماذا تتحمل دول الخليج الأعباء؟ ثم إن دول الخليج لم تتم استشارتها بالحرب، وقبل الحرب كانت قادرة على التعامل مع إيران من دون أي تكاليف، وكانت تجارتها مع العالم وعبر مضيق هرمز تسير بشكل طبيعي.

ما الضمانة بأن إيران ستتحول بالفعل إلى دولة طبيعية قادرة على بناء علاقات اقتصادية واستثمارية مع جيرانها؟ وما الضمانات من عدم استخدام إيران هذه الأموال لتمويل نشاطاتها الأمنية والعسكرية؟

على ذلك، فإنه من الطبيعي أن ترفض دول الخليج طرح تمويل إعمار إيران بعد الحرب، حتى لو كان ذلك عن طريق الاستثمار، صحيح أن دول الخليج تبحث عن فرص استثمارية، لكنها مضمونة في الغالب، في حين أن الاستثمار في إيران غير مضمون ولا يوجد أي جاذبية للاستثمار في بلد ليس لديه قوانين استثمار عصرية. ثم ما الضمانة بأن إيران ستتحول بالفعل إلى دولة طبيعية قادرة على بناء علاقات اقتصادية واستثمارية مع جيرانها؟ وما الضمانات من عدم استخدام إيران هذه الأموال لتمويل نشاطاتها الأمنية والعسكرية؟

من المؤكد أن الاتفاق على إنهاء الحرب الإيرانية سيتضمن العديد من البنود والتفاهمات التي لن يتم إعلانها للرأي العام، وإن كان قد جرى الإعلان فعلياً عن تأسيس صندوق لإعمار إيران، إلا أن التفاصيل تبقى في طي الكتمان، وتحديداً ما إذا كانت الدول العربية ستساهم فعلاً في هذا الصندوق وما هو حجم مساهمتها، وما ستحصل عليه مقابل ذلك.

وإن حصل ذلك، فمن الأرجح أن الدول الخليجية وجدت نفسها أمام خيارات سيئة، من قبيل فرض رسوم على عبور مضيق هرمز، بعد عجز أمريكا عن فتحه بالقوّة، أو التهديد برفع يد أمريكا عن ضمان حماية دول الخليج وترك الساحة مفتوحة أمام إيران، أو ربما تكون دول الخليج قد حصلت على ضمانات من نوع تفكيك أذرع إيران في المنطقة وعدم التدخل في الشؤون الخليجية والتزام سياسة حسن الجوار، والتصديق على كل ذلك ضمن معاهدة تحت رعاية مجلس الأمن.

x.com/ghazidahman1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)