من بين قرى ما يسمى بالخط الأمامي في جنوب
سوريا، تمتاز عابدين، التي باتت تعاني من قصف صهيوني يومي، بخصوصية مميزة على صعيد تركيبتها السكانية، فهو
خليط عربي نادر، ليس في حوض اليرموك، بل ربما في كل البقاع العربية، حيث تنقسم
القرية إلى عائلات جزائرية ومصرية وفلسطينية وأردنية وسورية، مع وجود لعائلات يعود
أصلها إلى هلالية تونس، وأخرى قدمت في القرن الماضي من البقاع الغربي في لبنان،
يُضاف لهؤلاء، العديد من العائلات النازحة من الجولان، وقد صهرت عابدين خليطها
العجيب ليصبح الجميع حوارنة.
منذ سقوط نظام الأسد، كثّفت إسرائيل من إعتداءاتها على قرى وادي الرقاد، عبر حملات المداهمة والتفتيش ونصب الحواجز، وكان أخطر هذه الممارسات، منع الأهالي من النزول إلى وادي الرقاد، الذي يفصل أراضي الجولان المحتل عن بقية سورية، حيث يقع أغلب أراضي الأهالي وأكثرها خصوبة، كما أنها تشكّل المرعى الأساسي للمواشي، ولمربي النحل الذي يُعتبر مورداً أساسياً لكثير من الآسر في هذه المنطقة.
لاتبعد قريتا معرية وجملة سوى كيلو متر واحد
على الجانبين الغربي والشمالي، والتي تشكّل مع عين ذكر وصيصون والرفيد وصيدا
الحانوت، ما يسمى بقرى وادي الرقاد، وخلفها تقع القرى المطلة على اليرموك، كويا
وبيت آرة وحيط والقصير وجلين التي تتشكل من سكان نزحوا من دارفور في السودان قبل
قرن وأكثر، وفلسطينيون قدموا من قرى الجليل الأعلى زمن النكبة الفلسطينية، ولا
تكاد قرية من هذه القرى تخلو من الخليط العجيب في تركيبتها السكانية، وإن كانت
بدرجة أقل من عابدين.
ومنذ سقوط نظام الأسد، كثّفت إسرائيل من
إعتداءاتها على قرى وادي الرقاد، عبر حملات المداهمة والتفتيش ونصب الحواجز، وكان
أخطر هذه الممارسات، منع الأهالي من النزول إلى وادي الرقاد، الذي يفصل أراضي
الجولان المحتل عن بقية سوريا، حيث يقع أغلب أراضي الأهالي وأكثرها خصوبة، كما
أنها تشكّل المرعى الأساسي للمواشي، ولمربي النحل الذي يُعتبر مورداً أساسياً
لكثير من الآسر في هذه المنطقة.
بجانب عابدبن، كان أهالي معرية يتصدون لقوات
الإحتلال، ويمارسون
مقاومة يومية برفضهم للأوامر الإسرائيلية بالتوقف عن زراعة
أراضيهم، وكانوا يتصدون للدوريات القادمة من ثكنة”الجزيرة” غرب القرية، التي سيطرت
عليها القوات الإسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد مباشرة، وحوّلها إلى قاعدة بهدف
السيطرة على كامل قرى الرقّاد، غير أن المقاومة الأكثر إيلاماً للقوات الإسرائيلية
من قبل الأهالي، تمثلت ب تشبثهم بالأرض ومقاومتهم لكل الضغوط التي كانت تهدف
بالدرجة الأساس إلى دفعهم لإخلاء الشريط الحدودي من معرية إلى صيدا الحانوت.
وبالإضافة إلى خصوبتها، تتميز المنطقة بوفرة
المياه، حيث يوجد سد عابدين الذي يروي مساحات واسعة من المنطقة، بالإضافة إلى مياه
وادي الرقاد، والكثير من العيون والبرك المائية، وتعتبر المنطقة من أكبر منتجي
الخضروات الموسمية في درعا، بالإضافة إلى الزيتون والتين والصبارة ، وبالطبع
المنتجات الحيوانية من لحوم وأجبان وعسل، وتشكّل المنطقة رئة درعا لما تتمتع به من
مناظر خلابة وإطلالات رائعة على وادي الرقاد، ووقوعها بين هضبة الجولان ومرتفعات
الأردن الشمالية.
يُدرك أهالي المنطقة أهداف إسرائيل من
التوغلات المستمرة وأعمال التنكيل التي تُمارسها ضدهم، الهدف هو السيطرة على الأرض
خالية من السكان، فالسيطرة على هذا الجيب تشكّل قيمة إضافية للإحتلال الإسرائيلي
للجولان، حيث تتحوّل المنطقة إلى حاجز يحجز سوريا عن الجولان، كما ان السيطرة على
هذه المنطقة، بالإضافة لفوائدها الإقتصادية الكبيرة، يضع الأردن بين فكي كماشة نتيجة حصاره من جهة
الشمال ويهدّد أمنها المائي بشكل كبير.
اليوم، المنطقة استوعبت صدمة الاحتلال الإسرائيلي، اشتغلت تكتيكياً لإجهاض أهدافه، وأعلنت عن جهوزيتها الكاملة لتطوير التكتيك إلى إستراتيجية مقاومة إذا فكّرت إسرائيل في البقاء في المنطقة والاستمرار في سياساتها
منذ أكثر من عام جربت إسرائيل وسائل عديدة
لتهجير سكان المنطقة، من الخطف إلى القصف، لكن جميعها باءت بالفشل، وتحاول في
الآونة الآخيرة زراعة قواعد لها لخنق القرى في المنطقة، وفي هذا السياق، حاولت
التموضع في “تلة المغر” غرب عابدين وتحويلها إلى ثكنة تشبه ثكنة الجزيرة، ولا سيما
أن الموقع كان ومنذ أكثر من أربعين عاماً مقراً عسكرياً للجيش السوري ويحتوي على
بنية جاهزة من الطرقات المعبدة والخنادق والسواتر الترابية ومرابض للمدفعية،
بالإضافة لأعمدة الكهرباء وخطوط الهاتف، ولو لم يتحرك أهل عابدين بهذه السرعة
لتحوًلت "تلة المغر" إلى موقع إسرائيلي دائم، ومن الواضح أن أهالي
عابدين الذين حاولوا سابقاً تجنب الإستفزازات الإسرائيلية، أدركوا أن هذا التكتيك
لم يعد مفيداً أمام أهداف إسرائيل الإستراتيجية بعيدة المدى، لذا قرروا المواجهة
وتخلوا عن حذرهم نهائياً.
لم تكن منطقة وادي الرقاد، وفي القلب منها
عابدين، بعيدة عن منطق المقاومة، فقد إحتضنت المنطقة فدائيي حركة "فتح" وباقي فصائل المقاومة الفلسطينية سنوات طويلة،
وإنخرط عدد كبير منهم في العمل الفدائي
عندما كانت جبهة جنوب سوريا مفتوحة للعمل الفدائي، ويعرف قادة الفصائل الفلسطينية
ومقاتلوها القدماء عوائل المنطقة ووجهائها، مثلما يعرفون منحنيات وادي الرقاد
ومنعرجاته.
ومن هذه المنطقة انطلقت الشرارات الأولى
للثورة السورية، وما لا يعرفه الكثير من السوريين، أن بعض شبابها جرى إعتقالهم قبل
إعتقال أطفال درعا بأيام، لكن بسبب بعدها عن الإعلام لم يذكر أحد هذه المسألة،
وكانت أولى المناطق التي تحرّرت من سلطة الأسد في درعا، فقد تم طرد منظومة الأسد
الأمنية والعسكرية من هذه المنطقة في بداية عام 2013، لتصبح أولى المناطق
المحرّرة، رغم إستمرار قصفها بالصواريخ والمدفعية، وقد دفعت المنطقة المئات من
شبابها ثمناً لثورتها على نظام الأسد.
اليوم، المنطقة استوعبت صدمة
الاحتلال
الإسرائيلي، اشتغلت تكتيكياً لإجهاض أهدافه، وأعلنت عن جهوزيتها الكاملة لتطوير
التكتيك إلى إستراتيجية مقاومة إذا فكّرت إسرائيل في البقاء في المنطقة والاستمرار
في سياساتها، ومع إدراك سكان المنطقة لفارق القوّة، إلا أنهم يدركون أيضاً أن
محاولة اقتلاعهم من أرضهم تضعهم أما خيار وحيد وهو التجهّز للمقاومة، وكان إرسال
الأطفال والنساء إلى القرى المجاورة وبقاء الرجال في عابدين، مؤشراً واضحاً على
هذا الأمر.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.