عن السوريين الموهومين بسرديات الأصالة والأقدمية!

مصطفى الخليل
فإن لم تُدر هذه المجتمعات المتوالدة عن الثورة بحكمة، فإنها قد تتحول من ظواهر انتقالية إلى بنى دائمة تكرّس الانقسام بدل التنوع، ويستمر معها هدر سوريا، شعبا وحضارة وثقافة وإمكانات.. غيتي
فإن لم تُدر هذه المجتمعات المتوالدة عن الثورة بحكمة، فإنها قد تتحول من ظواهر انتقالية إلى بنى دائمة تكرّس الانقسام بدل التنوع، ويستمر معها هدر سوريا، شعبا وحضارة وثقافة وإمكانات.. غيتي
شارك الخبر
غيّرت الثورة السورية بنية المجتمع السوري تغييرا عميق، تجاوز حدود السياسة والأحزاب وآلية الحكم، وكشفت عن غطاء اجتماعي وبنى ثقافية قامت على الخوف والقمع. كما فتحت الباب أمام سرديات غائرة في الوهم، مؤطّرة بالتناحر والهوس بالأصالة والأقدمية في الانتماء إلى سوريا. فحين انكفأ الصوت السرياني (وهو الأقدم تاريخيا في البلاد)، اتسع المجال لظهور سرديات حادة، منها كردية وأخرى عشائرية عربية، تتنازع الأقدمية والأصالة، خاصة في الجزيرة السورية.

وكشفت الثورة أيضا أمرا أخطر؛ إذ لم يكن السوريون يعيشون مع بعضهم، بل بجوار بعضهم فقط. غير أن آلية الحكم الديكتاتوري لحزب البعث أجّلت هذا الانفجار الاجتماعي، ووحّدت التعريفات بين المكونات شكليا. فعلى مدى أكثر من خمسة وخمسين عاما من حكم آل الأسد، كان كل مكون يطرح سرديته الخاصة همسا وفي نطاق ضيق، مقدما نفسه على أنه الأقدم والأكثر أصالة من السوري الآخر، وواصفا هذا الآخر بالأحدث وجودا وهوية. ولم يتغير اليوم سوى أن هذه السرديات السرية صارت تُقال علنا، خاصة على صفحات التواصل الاجتماعي، وهو ما عززه وجود تكتلات وفصائل عسكرية تمثل كل مكون، فزاد المشهد تعقيدا.

مجتمعات الثورة الجديدة

أفرزت الثورة، بفعل طول أمدها، مجتمعات جديدة داخل المجتمع السوري الواحد؛ فنشأ مجتمع الثوار، وإلى جانبه مجتمع إدلب بخصوصيته وما حمله من أدلجة معينة، وفي المقابل مجتمع الفلول. وانقسم الدروز إلى مجتمع مناوئ للدولة وآخر متصالح معها، كما انقسم الكرد إلى مجتمع موالٍ لحزب العمال الكردستاني وآخر موالٍ للأحزاب البارزانية. وبرز في الجزيرة السورية مجتمع فلول قسد (من العرب)، وتشكّل مجتمع الخيام في مخيمات النزوح، وفي الموازاة مجتمع اللاجئين في أوروبا. وقد عاشت هذه المجتمعات ثلاث حالات متمايزة: ما قبل الثورة، وأثناءها، وما بعدها، وكل مرحلة تختلف عن الأخرى. ومع ذلك، لم تُدرس هذه التحولات بالجدية الكافية، رغم أنها ستحدد شكل سوريا القادمة أكثر مما تحدده الخرائط السياسية وحدها.

تنوّعت سوريا عبر التاريخ، ولا يمكن لحقبة واحدة أن تختزلها أو تصبح عنوانا لكل حضاراتها المتراكمة. وقد كتب عالم الاجتماع سامي زبيدة (المتخصص في أنثروبولوجيا الطعام في الشرق الأوسط) أن المطبخ يختزن هوية جماعية أعمق من الخطاب السياسي، لأنه ينتقل عبر الأسرة لا عبر المؤسسة، فيقاوم إعادة الصياغة التي تفرضها السلطة.
وقد قُدّر لأبناء هذا البلد، بغض النظر عمّن هو الأقدم والأكثر سورية (بحسب تعريف كثير منهم)، أن يعيشوا معا. ولا تكمن المشكلة في تعدد المكونات والثقافات والأديان والقوميات والإثنيات، بل في الطريقة التي تنظر بها هذه المكونات إلى بعضها: هل تراها متحدة أم متناحرة؟ وتحكم العلاقة بين السوريين ثلاثة مستويات: الطهرانية (التي لا تعكس واقعهم)، والصراع (الذي يُبالغ فيه)، والأخطر من الاثنين هو النظر إلى الآخر باعتباره خطرا كامنا ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.

جذور الخوف من الآخر

ورث السوريون هذه الصراعات منذ ما قبل حكم البعث، وتحديدا منذ أيام الاحتلال الفرنسي الذي كرّس مفهوم الدويلات، وطرح خرائط لدويلة علوية وأخرى درزية، ودويلة لحلب وأخرى لدمشق. ثم جاء البعث فوجد خميرة جاهزة، فاستثمر هذه الحالة وأدارها بما يخدم عقليته الديكتاتورية. ومع ذلك، يظن البعض أن المجتمع السوري عاش في ظل البعث حالة استقرار، بينما الحقيقة أن القمع الجمعي كان سمة ثابتة، فلم يكن لأي مكون صوت يُعبّر عن هويته، وبقيت النار متقدة تحت الرماد حتى حانت لحظة الانفجار وتجدد الصدام.

رفعت الثورة في بداياتها شعار "الشعب السوري واحد"، لكن هذا الشعار تلاشى مع تشكّل الفصائل، واصطدم من حمله بعقلية متصلبة. ورغم بقائه حاضرا في الخطاب، فإن استدعاءه اقتصر على لحظات تهدئة مؤقتة أثناء الصراعات.

وفي فترة سيطرة قسد، لجأ بعض العرب في شرق سوريا إلى القول إن أخوالهم من الكرد، أو إن لهم أصولا كردية. ويرى البعض في ذلك نفاقا وتزلفا للسلطة، لكن التحليل الهادئ والبارد يكشف أنه نتاج تراكمي طويل، مرتبط بشيطنة الآخر والخوف منه عند توليه السلطة. وقبل ذلك، اعتاد بعض الكرد الأمر نفسه، فادّعوا أصولا عربية لقبائل تكردنت، بل ربط بعضهم نسبه بسلالة بيت النبوة. ولا تكمن المشكلة في صحة هذه الادعاءات من عدمها، بل في توظيفها وأسباب استخدامها. فالسوريون يخافون بعضهم بعضا، وهذا الخوف المتراكم هو ما جعل فئات عديدة تحجم عن الانخراط في الثورة.

المائدة السورية.. وحدة لا تُختزل

تنوّعت سوريا عبر التاريخ، ولا يمكن لحقبة واحدة أن تختزلها أو تصبح عنوانا لكل حضاراتها المتراكمة. وقد كتب عالم الاجتماع سامي زبيدة (المتخصص في أنثروبولوجيا الطعام في الشرق الأوسط) أن المطبخ يختزن هوية جماعية أعمق من الخطاب السياسي، لأنه ينتقل عبر الأسرة لا عبر المؤسسة، فيقاوم إعادة الصياغة التي تفرضها السلطة.

لا تحتاج سوريا اليوم إلى اختزالها في عنوان واحد أو وجبة واحدة، مهما علت قيمتها، بل تحتاج إلى إرادة سياسية تدير هذا التنوع وتستثمره بما يليق بتاريخ البلاد، من خلال دستور يعترف بكل المكونات، ومناهج تعليمية تروي تاريخ سوريا بتعدد رواياته لا برواية واحدة.
ففي القامشلي والحسكة، تُعد وجبة الگيمر إفطارا تقليديا، بينما تفضّل حلب المامونية، وتقدّم حمص وحماة "المغوطة"، وتبدأ دمشق صباحها بالبقوليات (كالمسبحة والفول). وفي الرقة ودير الزور يحضر الثريد، وفي درعا والسويداء تحضر المليحية. وهذا التنوع على المائدة شاهد صادق على تنوع الذائقة، وبالتالي على التنوع الثقافي والحضاري الذي عجزت عقود من المركزية الحزبية عن محوه.

ولا تحتاج سوريا اليوم إلى اختزالها في عنوان واحد أو وجبة واحدة، مهما علت قيمتها، بل تحتاج إلى إرادة سياسية تدير هذا التنوع وتستثمره بما يليق بتاريخ البلاد، من خلال دستور يعترف بكل المكونات، ومناهج تعليمية تروي تاريخ سوريا بتعدد رواياته لا برواية واحدة.

ومع ذلك، يواجه مستقبل سوريا خطر مأسسة هذا التمزق عبر الإعلام والسياسة. فإن لم تُدر هذه المجتمعات المتوالدة عن الثورة بحكمة، فإنها قد تتحول من ظواهر انتقالية إلى بنى دائمة تكرّس الانقسام بدل التنوع، ويستمر معها هدر سوريا، شعبا وحضارة وثقافة وإمكانات.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل