لماذا تتصادم الهويات الفرعية في سوريا بعد سقوط الأسد؟

مصطفى الخليل
"ما تحتاجه سوريا اليوم هو إدارة هذا التنوع الهوياتي الغزير، ليكون الفضاء العام في سوريا خالصا تتجلى فيه كل الهويات السورية بثقافتها وتاريخها"- سانا
"ما تحتاجه سوريا اليوم هو إدارة هذا التنوع الهوياتي الغزير، ليكون الفضاء العام في سوريا خالصا تتجلى فيه كل الهويات السورية بثقافتها وتاريخها"- سانا
شارك الخبر
لا تكمن مشكلة المجتمع السوري في تنوعه، بقدر ما تكمن في تنميط هذا التنوع، وجعله هوياتيا خاصا لا ثقافيا متعددا، وهذا ما عزز بروز الهويات الفرعية في المجتمع بعد سقوط النظام نهاية 2024 على حساب الهوية الجمعية أو العليا، وهي الهوية السورية التي من المفترض أن تكون المظلة التي تندرج تحتها كل الهويات الفرعية ضمن البلاد.

من طبيعة الهويات الفرعية أن تبقى في حالة اشتعال، وتُستحضر حسب ردات الفعل والمواقف والظروف. وهذه الحالة يتوجب أن تبقى متوازنة بين تأثيرين؛ لا ركود ولا تصادم. لكن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تلعب دورا في توجيهها، وهذا التوازن هو من يمنح المجتمعات ديناميكيتها واستمرارها. فإذا دخلت هذه الهويات في مرحلة السكون، فإن مصيرها الانطفاء ثم الاندثار، وكثير من الحضارات والأمم والشعوب دخلت مرحلة الموت السريري بسبب انطفاء هوياتها الفرعية والعامة، فخرجت من التاريخ.

إذن، الحالة السورية في الوقت الحالي، وما تعكسه وسائل التواصل الاجتماعي من صراع ومماحكات بين الهويات الفرعية، هي حالة صحية؛ لأنها تعبر عن حيوية السوريين ثقافيا وانتماء. أما في حال استعار صراع الهويات الفرعية، فإنها حتما ستخلق حالة من القلق والتوتر الجمعيين؛ وفي حال تصعيد استعارها فإنها قد تؤدي إلى حرب أهلية؛ وإن كان يبدو أن السوريين يميلون إلى تجاوز هذا الاحتمال كلما تصالحوا أكثر مع هوياتهم الفرعية المتنوعة.

السوريون الغارقون في التفاصيل: البيض عربي والزيت كردي
يحمل أصغر تفصيل في سوريا بعدا هوياتيا؛ فلا شيء يفلت من قوالب التنميط. هذا التنميط ترجمة مباشرة لثقافة السوريين؛ تصنيف كل شيء بحسب انتمائه العرقي أو المناطقي أو المذهبي أو الفئوي. في سوريا كل شيء له هوية، ويعكس نمطا خاصا

يحمل أصغر تفصيل في سوريا بعدا هوياتيا؛ فلا شيء يفلت من قوالب التنميط. هذا التنميط ترجمة مباشرة لثقافة السوريين؛ تصنيف كل شيء بحسب انتمائه العرقي أو المناطقي أو المذهبي أو الفئوي. في سوريا كل شيء له هوية، ويعكس نمطا خاصا؛ تصوّر أنك تسمع عن بيض عربي وزيت كردي ومتة علوية وبامية ديرية، وحتى لحظة كتابة هذا المقال لم يُحسم الجدل بعد حول هوية حلاوة الجبن: أهي حموية أم حمصية؟

السوريون بطبيعتهم متخمون بتفاصيل التفاصيل ومولعون بها، وهذا انعكاس لتنوع البيئات الطبيعية في سوريا؛ فهناك البيئة الساحلية والبيئة الجبلية والبيئة الداخلية، وهناك بيئة البادية، وكل بيئة ترسّخ هوية قاطنيها بطابعها الخاص، وهذا ما ينعكس على اللهجة والمأكل والملبس والفلكلور والمهن. سوريا من البلدان المتفردة في العالم التي يُزرع فيها القطن والكرز ويُربى فيها الجمل ودودة القز؛ سوريا الثرية في كل شيء إلا بالمال، بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة التي أجرمت بحق أهلها منذ فترة الوحدة بين سوريا ومصر في نهاية خمسينيات القرن الماضي.

الهويات الفرعية في سوريا ليست تفاصيل عادية ولا عابرة، بل ركائز ثقيلة في الهوية السورية العامة، وكونها راسخة في اللاوعي الجمعي السوري، خلقت تنميطات أكثر وضوحا وحدّة؛ فهناك أنماط لثقافة سنية وثقافة علوية وثقافة كردية وثقافة درزية، وثقافة حضرية وأخرى بدوية وأخرى ريفية. لكن المسألة أعقد من ذلك، فهناك أنماط لثقافات متداخلة أفقيا ضمن هذه التفريعات الهوياتية؛ وهناك أيضا أنماط حية لثقافة كردية إسلامية صوفية، وهناك ثقافة كردية ذات بعد قومي، وهناك ثقافة عربية ذات بعد سني محافظ يصل لدرجة التشدد عند الاستفزاز، وأخرى ذات بعد صوفي أيضا، وأخرى ثقافة عربية درزية ذات تجليات باطنية، وهناك ثقافة علوية بقراءة فينيقية، وهناك ثقافة علوية تتمظهر فيها رؤى علي بن أبي طالب، وأخرى يتجلى فيها الحسين بن علي ببعده العابر للقوميات.

هذه التبويبات النمطية ليست بريئة، رغم أنها تبدو طبيعية للوهلة الأولى في بلد نتج عن تلاقح حضارات عريقة تراكمت طبقاتها الهوياتية عبر التاريخ.

الأسدية: نصف قرن من الهوية الواحدة القسرية
هناك تفسيرٌ آخر لتنامي صراع الهويات الفرعية في سوريا مؤخرا، وذلك لأن هذه الهويات كانت مغيّبة قسرا ومخنوقة طوال أكثر من نصف قرن من حكم البعث، خاصة في فترة حكم حافظ الأسد. هذه الهويات كانت في حالة سبات طويل لصالح رواية واحدة أو هوية أحادية

لكن هناك تفسيرٌ آخر لتنامي صراع الهويات الفرعية في سوريا مؤخرا، وذلك لأن هذه الهويات كانت مغيّبة قسرا ومخنوقة طوال أكثر من نصف قرن من حكم البعث، خاصة في فترة حكم حافظ الأسد. هذه الهويات كانت في حالة سبات طويل لصالح رواية واحدة أو هوية أحادية، فحافظ الأسد حكم سوريا في حقبة السبعينيات برؤية بعثية؛ وفي الثمانينيات حكمها برؤية استخباراتية خاصة بعد صراعه مع الإخوان المسلمين؛ وفي التسعينيات حتى موته حكمها بصفته طائفيا علويا. وفي فترة بشار الأسد، حُكمت سوريا برؤية الولي الفقيه الشيعي، تحت عنوان عريض هو "محور المقاومة والممانعة".

كرّس حافظ الأسد أجهزته الاستخباراتية وما يندرج تحتها من مؤسسات ثقافية وإعلامية لدكتاتوريته النرجسية. وكان الأسد يرى أنه أكبر من سوريا ومن شعبها ومن تاريخها؛ ولذلك جرى تعويم مصطلح "سوريا الأسد"، أي أن سوريا بدأت مع حافظ الأسد وتنتهي بنهاية حكم آل الأسد؛ ولذلك أُطلق شعار آخر مع بدايات الثورة السورية وهو "الأسد أو نحرق البلد"، أي أن سوريا ستذهب إلى الهاوية في حال انتصار الثورة وسقوط الأسدية. هذان الشعاران ليسا عبثيَّين، بل هما منهجية لترسيخ مفهوم أن الأسدية تعادل سوريا في الوجدان الجمعي.

والأخطر من ذلك تكريس ثابت آخر؛ أن المساس أو النقد أو الدنو من الأسدية يعني المساس بسوريا. وهذا لم يحدث في التاريخ: أن يُختزل تراكم حضاري حي ومعقد لبلد يعود تاريخه لما قبل الميلاد بآلاف السنين في شخص الرئيس وعائلته. وهذا ما يعبَّر عنه بشعار "القائد الرمز"، أي أن الأسد هو رمز لكل هذا الإرث العريق لسوريا.

في الثمانينيات ترك حافظ الأسد التدخين بناء على نصيحة الأطباء بعد إصابته بسرطان البروستات، فأصدر قرارا بمنع التدخين على المسرح وشاشة التلفزيون وفي الدوائر الحكومية: ما دام حافظ الأسد قد ترك التدخين، فيجب على السوريين أيضا أن يتركوه.

حافظ الأسد كان يهيمن على الفضاء العام في سوريا: صوره تملأ الميادين والشوارع والأزقة، وتحضر في المدارس على دفاتر الطلاب ولباسهم والطابور الصباحي، وعلى شاشات التلفزة وصفحات الصحف. وما حزب البعث بكل ضجيجه سوى حالة تعبوية والتصفيق للأسد وإنجازاته التاريخية: أربعة وخمسون عاما وسوريا تدور بهوية واحدة قسرية، حاولت تطويع التاريخ والثقافة والذائقة العامة لصالح الأسدية المتفردة. فمن الطبيعي أن يكون الفضاء العام في سوريا اليوم مزدحما بهويات متعددة متباينة كما تبدو للوهلة الأولى، وقد جرى إطلاق سراحها مؤخرا، لكنها في الواقع هويات جزئية لهوية أكبر، وهي الهوية السورية العليا.

فالهوية الجامعة المفروضة قسرا من الأعلى، وفق رؤية آل الأسد، لا يمكن أن تكون بديلا عن الهوية الفرعية؛ لأنها تصادم طبيعة الإنسان وتفاعله مع الهويات الأخرى ككائن حي اجتماعي. ما تحتاجه سوريا اليوم هو إدارة هذا التنوع الهوياتي الغزير، ليكون الفضاء العام في سوريا خالصا تتجلى فيه كل الهويات السورية بثقافتها وتاريخها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)