كثر التساؤل في الآونة الأخيرة عن
"
الهوية الوطنية السورية"، وللإجابة عن هذا السؤال علينا أن نتساءل منذ
متى ولدت "دولة سورية"؟ وما تاريخ وجود هذه التسمية؟
لقد ولدت "دولة سورية" من رحم
الدولة العثمانية، وقد كانت المنطقة العربية التابعة للدولة العثمانية في آخر
عهدها مقسمة إلى عدة ولايات منها: ولاية حلب، ولاية دمشق، ولاية بيروت، ولاية
بغداد، ولاية البصرة، ولاية الموصل، ولاية الحجاز، ولاية اليمن وكانت هناك
متصرفيتان وهما: القدس، وجبل لبنان.
وهناك بعض الولايات كانت قد انفصلت عن سيطرة
الدولة العثمانية فعلياً لكنها بقيت مرتبطة بها إسمياً مثل: مصر وتونس والجزائر في
القرن التاسع عشر.
من الواضح أن هذا التقسيم الإداري كان الهدف
منه هو إدارة هذه المنطقة وتحقيق الأمن فيها، وتقديم الخدمات لها، وجلب الضرائب
والزكوات منها إلخ...، لكن جميع هذه المناطق وغيرها من المناطق في أوروبا وآسيا
وأفريقيا كانت تتبع الدولة العثمانية إدارياً وسياسياً وعسكرياً، وكانت جميعها
تشكل "دولة إسلامية" تحت مسمى "الدولة العثمانية"، وكانت هذه
الشعوب " تشكل "أمة إسلامية"، لأنها تجمعها "وحدة
ثقافية" مستمدة من القرآن الكريم والسنة المشرفة واللغة العربية وقد أفرزت
هذه "الوحدة الثقافية" عدة وحدات منها: "وحدة عقلية"،
و"وحدة نفسية"، و"وحدة سياسية"، و"وحدة اجتماعية"،
و"وحدة اقتصادية" إلخ..
ليس من شك بأن "ولايتي دمشق وحلب" اللتين هما جزء من "الدولة الإسلامية العثمانية" تحملان صفات مشتركة مع أهل هذه الدولة، من حيث أنهم شعب متدين، متكافل، يتطلع إلى إعمار الدنيا والفوز بالآخرة وينطلق من العبودية لله، ويتمسك باللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم ولغة العلوم، وهناك قيم حلال وحرام مشتركة، وهناك أخلاق اجتماعية مشتركة ويملكون عادات مشتركة.
لو تساءلنا الآن عام 1900 قبل الحرب
العالمية الأولى عن "ولاية دمشق" و "ولاية حلب" اللتين أصبحتا
تشكلان سورية فيما بعد، ما الدولة التي تنتمي إليها هاتان الولايتان؟ ومن أمتهما؟
وما هويتهما الوطنية؟
لوجدنا الجواب التالي دون أي تردد: أنهما
تنتميان إلى الدولة العثمانية، وذلك واضح من ارتباطهما العسكري والسياسي والإداري
والمالي بالسلطات في استامبول وأنهما تخضعان للسلطات المقيمة في استامبول وتتبعان
في كل شؤونهما الوزارات الموجودة في إسطمبول.
أما عن السؤال الثاني وهو: من أمتهما؟ فهي
"الأمة الإسلامية العثمانية" التي كانت امتداداً للأمة الإسلامية التي
ولدت قبل مئات السنين.
أما عن السؤال الثالث وهو: ما هويتهما
الوطنية؟ لو نقلنا أحد تعريفات الهوية الوطنية وهو: "الهوية الوطنية هي
السمات والصفات الجوهرية المشتركة التي تميز جماعة وطنية عن غيرها وتكوّن شخصيتها،
وتعبّر عن انتماء أفرادها إلى وطن واحد".
ليس من شك بأن "ولايتي دمشق وحلب"
اللتين هما جزء من "الدولة الإسلامية العثمانية" تحملان صفات مشتركة مع
أهل هذه الدولة، من حيث أنهم شعب متدين، متكافل، يتطلع إلى إعمار الدنيا والفوز
بالآخرة وينطلق من العبودية لله، ويتمسك باللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم
ولغة العلوم، وهناك قيم حلال وحرام مشتركة، وهناك أخلاق اجتماعية مشتركة ويملكون
عادات مشتركة.
لو انتقلنا إلى سنة 1920، ففي هذه السنة دخل
غورو إلى دمشق، وحكمت فرنسا سورية بناء على قرار "عصبة الأمم" واتفاق
وزيري خارجية إنكلترا وفرنسا سايكس وبيكو في عام 1916، فأخذت فرنسا
سوريا ولبنان،
وأخذت إنكلترا العراق وشرقي الأردن وفلسطين بعد الحرب العالمية الأولى.
من الواضح أن "ولايتي دمشق وحلب"
أخذتا اسم "سوريا"، وانتقلتا إلى حكم فرنسا، وشكلت فرنسا "الدولة
السورية" وأصبحت تابعة للدولة الفرنسية، وبهذا انتقلت "ولايتا دمشق
وحلب" إلى القيادة الفرنسية.
من المؤكد أن التغيير الذي حدث عندما جاءت
فرنسا إلى الانتداب على سورية من قبل عصبة الأمم هو "الحكم"، لكن الشعب
بقي على أخلاقه وقيمه ومبادئه التي كان عليها من قبل، وبقيت "هويته
الوطنية" بنفس مواصفاتها السابقة التي كانت عليها في نهاية الحكم العثماني لـ
"ولايتي حلب ودمشق".
وسنحاول أن ندرس كيف سارت هذه الأمور
الثلاثة: وضع الحكم من جهة، ووضع الأمة من جهة ثانية، ووضع الهوية الوطنية من جهة
ثالثة في الفترة التي تلت الانتداب الفرنسي على سوريا، وسيطرته على عليها بعد عام
1920، إلى سقوط حكم البعث في عام 2024 وهروب بشار الأسد.
من البين أن سوريا منذ مجيء الاستعمار الفرنسي عام 1920 إلى وصول البعث للحكم عام 1963 خضعت لحكم وطني عروبي ثم تدرج ليصبح حكماً قومياً عربياً شديد التعصب لهذه القومية.
فقد مر الحكم في سوريا بعدة مراحل، أما
المرحلة الأولى للحكم فقد كانت تغلب عليه الصفة الوطنية العروبية مع التوجهات
الدستورية بعد عام 1920-1946، ثم جاء جلاء الجيوش الفرنسية عن سوريا في عام 1946،
وبدأت مرحلة جديدة ذات توجه قومي عربي، ووقع تحالف بين هذا التوجه القومي العربي
في سورية مع التوجه القومي العربي في مصر، وأدى لقيام الوحدة عام 1958، ثم وقع
الانفصال عام 1961، ثم قفز حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الحكم عام 1963، وهو ذو
توجه قومي عربي اشتراكي وقد تحول إلى حزب ماركسي في بعض المراحل.
من البين أن سوريا منذ مجيء الاستعمار
الفرنسي عام 1920 إلى وصول البعث للحكم عام 1963 خضعت لحكم وطني عروبي ثم تدرج
ليصبح حكماً قومياً عربياً شديد التعصب لهذه القومية.
وقد كان الفكر القومي العربي الذي قام في
سوريا وغيرها من البلدان العربية كالعراق والأردن إلخ..، يعتبر أن المنطقة الممتدة
من طنجة إلى الخليج العربي تحتوي أمة عربية واحدة لكنها مجزأة سياسياً تحت حكومات
متعددة، وكان يعتبر أن هذه الأمة تقوم على عاملين، هما: اللغة والتاريخ.
وقد كان المفكرون القوميين الذين قالوا
بأولوية عاملي اللغة والتاريخ في تكوين هذه الأمة العربية متأثرين بالنظرية
الألمانية في تكوين الأمة التي تعتمد اللغة والتاريخ وقد اعتبر ساطع الحصري أن
"عامل اللغة" يكوّن "روح الأمة" وأن "عامل التاريخ"
يكون "ذاكرة الأمة".
لا شك أن هذه الجماهير والشعوب التي تسكن
المنطقة الممتدة من طنجة إلى الخليج تشكل أمة واحدة لكنها لا تقوم على عاملين
إثنين فقط هما: اللغة والتاريخ المشترك، فإن هذين العامين لا يستطيعان أن يفسرا
الوحدة النفسية والعقلية والاجتماعية، والعواطف المشتركة، والعادات والتقاليد
الواحدة والآمال والتطلعات الموحدة، بل لابد من إدخال عامل الدين الإسلامي لتفسير
وجود "هذه الأمة"، وقيام هذه العوامل المشتركة، لقد سعى المفكرون
القوميون إلى إخراج عامل "الدين الإسلامي" من وجوده في بناء هذه الأمة
الممتدة من طنجة إلى الخليج.
ولم يأت إخراج عامل الدين الإسلامي من بناء
هذه الأمة من طنجة إلى الخليج نتيجة دراسة موضوعية لتاريخ هذه الأمة، وإنما نتيجة
إسقاط تجربة الحضارة الغربية التي أبعدت الدين فنهضت، وكذلك علينا أن نبعد الدين
لننهض وهذا قياس خاطئ، وإسقاط مضلّل، لذلك كان فشل حزب البعث العربي الاشتراكي في
تحقيق أبرز أهدافه وهي إقامة النهضة العربية التي حلمت بها الأجيال لعشرات السنين،
والسبب أنه أقامها على أمة موهومة غير موجودة في أرض الواقع وهي "أمة
عربية" تقوم على عنصري "اللغة والتاريخ" وليس هناك من "أمة عربية"
تقوم على عنصري اللغة والتاريخ فقط، بل هي موجودة في خيال المفكرين القوميين، فالحقيقة
إن الأمة الموجودة في أرض الواقع تقوم على عوامل "اللغة التاريخ والدين
الإسلامي" وذلك لأن عامل الدين وقيمه وأفكاره ومبادئه متغلغلة في كل شأن من
شؤون الأمة: اجتماعياً واقتصادياً وتربوياً وثقافياً وسياسياً وفنياً إلخ...، لذلك
بدلاً من أن يتعامل مع الواقع كما هو ويبني عليه، ومن أبرز عوامل هذا الواقع هو
الدين الإسلامي، لذلك فإن حزب البعث خاصة والفكر القومي عامة ونتيجة هذا الخطأ في
التشخيص رأى أن واجبه أن يدمر عامل الدين وينزعه ويستأصله من كيان الأمة، لذلك فشل
في أن يحقق نهضة وتحول إلى حزب "الطائفة العلوية" في سورية وحزب
"العشيرة التكريتية" في العراق.
لم يأت إخراج عامل الدين الإسلامي من بناء هذه الأمة من طنجة إلى الخليج نتيجة دراسة موضوعية لتاريخ هذه الأمة، وإنما نتيجة إسقاط تجربة الحضارة الغربية التي أبعدت الدين فنهضت، وكذلك علينا أن نبعد الدين لننهض وهذا قياس خاطئ، وإسقاط مضلّل
وقد أصاب الدكتور محمود باكير عندما تحدث في
كتابه "هندسة الهوية الوطنية.. سوريا المستقبل" عن أبرز مفكرين مؤسسَيْن
لحزب البعث هما: ميشيل عفلق وزكي الأرسوزي، واعتبر أن آراءهما كانت تنطلق من
"التفكير الرغاتي" وسمى مرحلتهما "المرحلة الرومانسية، وأعتقد أن
ذلك نتيجة لعدم انطلاق الفكر القومي من الواقع، بل انطلاقه من فكر مسبق هو التجربة
الأوروبية بشكل عام، واسقاطها على الواقع العربي، وكانت أبرز النتائج اعتبار الدين
عامل هدم وتأخر وانحطاط في التجربة الأوروبية، لذلك يجب أن نبعد الدين الإسلامي
ونقلعه من كيان المجتمع العربي، وأدى به هذا إلى أن يعيش فقراً ثقافياً، جعل حزب البعث
ينزلق إلى الماركسية حيناً، والطائفية والعشائرية حينا آخر، وإلى القطرية حيناً
ثالثاً كما ذكرت في سطور سابقة.
لكن عامل الدين بقي حيا في قلوب السوريين
وعقولهم وثقافتهم وأفكارهم وفي شوارعهم وحواريهم ويدل على ذلك الثورة التي انفجرت
في وجه نظام البعث عدة مرات في سوريا بدءاً من عام 1964 عندما بدأت الثورة من جامع
السلطان في حماة، ثم قامت ثورة أخرى من الجامع الأموي 1965 ثم ثورة 1980 والتي
شملت مختلف المدن السورية وانتهت بتدمير حماة عام 1982م، ثم ثورة عام 2011 والتي
كانت جماهيرها انطلقت من كل مساجد سورية، وكانت قيم الشهادة والتضحية والبذل هي
التي تدفع الجماهير السورية إلى مواجهة الآلة العسكرية لنظام البعث والصبر على
جحيم الهجرة والسجون والتدمير والتعذيب إلى أن كان النصر حليف السوريين في النهاية
وسقوط نظام بشار عام 2024.
لذلك فإن الدرس الذي يجب أن تستوعبه سوريا
الجديدة، وتنطلق منه كحقيقة موضوعية متجذرة في كل مناحي وجود سورية البشري والعقلي
والنفسي والوجداني والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتربوي إلخ.. هو الدين
الإسلامي فتعطيه المكانة التي يستحقها كعنصر بناء، فتنطلق منه بالإضافة إلى
العوامل الأخرى مثل: اللغة والتاريخ والتراث والآمال المشتركة لبناء سورية جديدة
تكون رافعة لأمة عظيمة، كما كانت على مدار العصور السابقة.
الخلاصة:
تقوم هذه الرؤية على أن "الهوية
الوطنية السورية" تشكلت تاريخياً ضمن إطار "الأمة الإسلامية
العثمانية"، وأن الدين الإسلامي كان العامل الأهم في بناء شخصية المجتمع
السوري وقيمه وثقافته، إلى جانب اللغة العربية والتاريخ المشترك وعوامل أخرى. وترى
أن الانتقال من الحكم العثماني إلى الانتداب الفرنسي ثم إلى الدولة السورية
الحديثة غيّر البنية السياسية للدولة، لكنه لم يغيّر الأسس الثقافية والدينية
للمجتمع.
كما تعتبر أن الفكر القومي العربي، وخصوصاً
في مرحلة حكم البعث، اعتمد بصورة أساسية على اللغة والتاريخ في تعريف الأمة، وهو
لم يهمل العامل الديني فحسب، بل عاداه، وقصد إلى اقتلاعه وانتزاعه من قلوب وعقول
الشعب السوري، مما أدى إلى الفشل في تحقيق الوحدة والنهضة المنشودة وإلى إضعاف
الهوية الوطنية وإلى الفقر الثقافي وإلى الانزلاق إلى حكم "الطائفة
العلوية".
وبحسب هذا الطرح، فإن استمرار حضور الدين
الإسلامي في المجتمع السوري رغم السياسات الرسمية المختلفة يدل على عمق ارتباطه
بالوجدان الشعبي.
وتخلص هذه الرؤية إلى أن بناء سوريا
المستقبل يتطلب الاعتراف بالدين الإسلامي بوصفه أحد المكونات الأساسية للهوية
الوطنية، إلى جانب اللغة والتاريخ والتراث والآمال المشتركة، بما يسهم في تحقيق
التماسك المجتمعي وبناء دولة قوية ومستقرة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.