سورية المرجوة في نظر الشرع

حسين عبد العزيز
دون دولة ديمقراطية يشارك الشعب فيها بحرية في اختيار السلطات، ودون مواطنة حقيقية تلغي مع الوقت الانتماءات الضيقة، فإن سورية تعيد إنتاج السلطة الاستبدادية، وإن بطرق أخف قسوة مما جرى في السابق.
دون دولة ديمقراطية يشارك الشعب فيها بحرية في اختيار السلطات، ودون مواطنة حقيقية تلغي مع الوقت الانتماءات الضيقة، فإن سورية تعيد إنتاج السلطة الاستبدادية، وإن بطرق أخف قسوة مما جرى في السابق.
شارك الخبر
في رؤيته لسورية المستقبلية، لم يفصل الرئيس السوري أحمد الشرع بين الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية وبناء الدولة ومؤسساتها، فهي جميعها بنظره سلة واحدة لنهضة سورية، وهذا أمر صحيح، فلا يمكن فصل مجال عن آخر في عملية بناء الدول.

وهذا ما يتفق أيضاً مع الرؤية الدولية لسورية المستقبلية: دولة واحدة، جيش واحد، مؤسسات مركزية، حقوق معلنة للمكونات، علاقات جديدة مع واشنطن، مسار تفاوضي مع إسرائيل، انفتاح على دول الإقليم، جغرافيا اقتصادية مفتوحة أمام الدول.

يشبه مفهوم الشرع للدولة السورية كثيراً نمط الدولة في الأردن ودول الخليج، ولا يشبه النموذج التركي إطلاقاً، فالمطلوب تحقيقه، هو دولة لا تعسف ولا قمع فيها، مع ليبرالية مدنية وسياسية غير مؤطرة في مؤسسات وأحزاب ومجتمع مدني، مع تحسين الوضع المعيشي للمواطن السوري، وإشراك مكونات من الأقليات في المناصب وتوزيع السلطات، مع الإبقاء على جوهر السلطة بيد السُنة وحدهم.
عند هذه النقاط تلتقي الرؤية الدولية مع رؤية الشرع القائمة على أرض الواقع منذ نحو عامين، فكلاهما يبحثان عن الحكم الرشيد الذي يتضمن النقاط أعلاه، لكن الحكم الرشيد لا يقود بالضرورة إلى دولة ديمقراطية ـ تعددية حقيقية، وهو أمر بالمناسبة لا يحظى بأولوية المجتمع الدولي، الذي ينظر إلى الحكم الرشيد في سورية من منظار مصالحه المتعلقة بالاستقرار الأمني والاقتصادي، ثم السياسي في الإقليم، ويكفيه على مستوى الداخل الانفتاح على الأقليات، دون أن يكون ذلك تحت إطاراً ديمقراطيا ودولة مواطنية حقيقية.

من هنا، يمكن فهم حديث الشرع في كلمته أمام المجلس الأطلسي ـ الذي وضع إطاراً للجلسة يجمع بين إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، والإصلاح المؤسسي، والعلاقة مع واشنطن، وإعادة الاندماج الإقليمي ـ عن ملفات الداخل والخارج كسلة واحدة.

وكانت كلماته حول الداخل السوري تُطفئ ظمأ المجتمع الدولي، فقد قال إنه "لا يريد بناء النظام السياسي على أساس المحاصصة العرقية أو الدينية أو الجغرافية، معتبرا أن تقاسم السلطة وفق حصص يمكن أن يقود إلى تقسيم البلاد.. والسلطة يجب أن تكون مؤسسة، وليست شخصاً يحكم البلاد".

ثم ربط كل ذلك بدور مجلس الشعب في إصدار القوانين ودور الرئيس في تنفيذها، في إشارة إلى محاولة تقديم المرحلة الانتقالية باعتبارها مساراً لبناء مؤسسات سياسية دائمة، وليس مجرد انتقال للسلطة من نظام إلى آخر.

من خلال تحليل مضمون هذه الكلمات وغيرها مما قاله الشرع سابقاً، إلى جانب ما جرى في العامين الماضيين، يمكننا أن نستشرف طبيعة الدولة المرجوة عند الشرع، وهي دولة بالتأكيد لا تستقيم مع ما يجب أن يكون، على الأقل على المستوى السياسي، وهو المستوى الأهم والرئيس في بناء الدولة على اسس حديثة.

إن عبارة " بناء نظام سياسي لا يقوم على أساس المحاصصة العرقية أو الدينية أو الجغرافية"، هي عبارة عامة لا قيمة سياسية لها، فنظام الأسد كان في الظاهر يقوم على سلطة عابرة للطوائف والمحليات، لكن حقيقة السلطة وجوهرها كانت مجسدة في شخص الاسد الأب ثم الابن.

ويمكن أن يتكرر ما جرى في عهد الأسدين مرة أخرى، بل يمكن التأكيد بناءً على العامين الماضيين أن مفهوم الشرع للمحاصصة يتماهى تماماً مع مفهوم الأسدين، فمنذ تسلمه الحكم في سورية، أشرك الشرع جزء من مكونات المجتمع السوري في السلطة التي يسيطر عليها هو وحده، وبالتالي، فإن المشاركة التي هي نفي للمحاصصة العرقية والدينية والجغرافية، ما هي إلا مشاركة وهمية تحت سقف سلطة الرئيس.

يمكن أن يُعترض على كلامنا بالقول إن هذا الوضع هو وضع مؤقت، مدته خمس سنوات ليس إلا، لكن الرد سيكون بطرح سؤال مقابل، لماذا خمس سنوات؟ هل تحتاج عملية بناء الأحزاب الوطنية وتنظيم عملية انتخاب حقيقية للرئاسة ولمجلس الشعب هذه المدة الطويلة؟

إن عبارة " بناء نظام سياسي لا يقوم على أساس المحاصصة العرقية أو الدينية أو الجغرافية"، هي عبارة عامة لا قيمة سياسية لها، فنظام الأسد كان في الظاهر يقوم على سلطة عابرة للطوائف والمحليات، لكن حقيقة السلطة وجوهرها كانت مجسدة في شخص الاسد الأب ثم الابن.
إن وصف الشرع لعملية تشكيل المجلس الشعب بأنها عملية ليست مثالية، دليل آخر على الأزمة السياسية، أو على الوعي السياسي الذي يمتلكه الرئيس، ذلك أن التوصيف الحقيقي لعملية تشكيل مجلس الشعب، هو أنها عملية استبدادية تمت باختيار من أعلى دون حساب لرأي المواطن السوري، ناهيك عن جزء لا يستهان به من الأشخاص الذين أصبحوا أعضاء في هذا المجلس، ولا يتمتعون بأية حيثية نظرية وعملية تؤهلهم لهذا المنصب.

يشبه مفهوم الشرع للدولة السورية كثيراً نمط الدولة في الأردن ودول الخليج، ولا يشبه النموذج التركي إطلاقاً، فالمطلوب تحقيقه، هو دولة لا تعسف ولا قمع فيها، مع ليبرالية مدنية وسياسية غير مؤطرة في مؤسسات وأحزاب ومجتمع مدني، مع تحسين الوضع المعيشي للمواطن السوري، وإشراك مكونات من الأقليات في المناصب وتوزيع السلطات، مع الإبقاء على جوهر السلطة بيد السُنة وحدهم.

وهكذا، فإن الوعي بالدور التاريخي للسُنة، هو جزء أصيل من تفكير الشرع، سواء على مستوى متطلبات الداخل أو على مستوى تحالفات الإقليم.

لكن سورية، ليست بلداً متجانساُ ثقافياً واجتماعياً وهُوياتياً، وما يصلح في الأردن ودول الخليج لا يستقيم في سورية، فدون دولة ديمقراطية يشارك الشعب فيها بحرية في اختيار السلطات، ودون مواطنة حقيقية تلغي مع الوقت الانتماءات الضيقة، فإن سورية تعيد إنتاج السلطة الاستبدادية، وإن بطرق أخف قسوة مما جرى في السابق.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)