إذا كانت مقولة كلاوزفيتز "الحرب
امتداد للسياسة وإن بوسائل أخرى" قد أصبحت قاعدة مفهومية في عالم السياسة
والحرب أينما كان، فإنها ليست كذلك فيما يتعلق بسوريا، والأقرب إلى الواقع هو قلب
القاعدة المفهومية هذه، لتصبح السياسة امتداد للحرب وإن بوسائل أخرى.
في ظل وجود دولة لا تمتلك أي مقومات الدفاع
عن نفسها (
سوريا) وكيان يمتلك كل مقومات القوة والغطرسة (
إسرائيل)، أصبحت العلاقة
الناظمة بين الجانبين علاقة حدية بامتياز لا مشترك بينهما: سوريا لا تمتلك سوى لغة
السياسة والدبلوماسية في مواجهة إسرائيل التي تعتمد السياق العسكري ـ الأمني كخيار
وحيد.
جوهر الخلاف
ليس الخلاف بين سوريا وإسرائيل متعلقاً
بطبيعة الترتيبات الأمنية، ولا بمسألة الاعتراف السوري بإسرائيل، وإنما يتعلق
برؤيتين لا يمكن لهما أن تلتقيا: إسرائيل تريد تنازلاً سورياً عن الجولان (وفقاً
لترتيبات يتم التوافق حولها)، وما التفاصيل الأخرى، مثل السيطرة على قمة جبل الشيخ
/ حرمون، والنقاط العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري، والتدخل لحماية
الأقليات، وتقليص التواجد العسكري الروسي والتركي، وطرد المجاهدين المقاتلين من
سوريا، إلا أدوات ضغط لأجل الغاية الكبيرة (الجولان).
ليس الخلاف بين سوريا وإسرائيل متعلقاً بطبيعة الترتيبات الأمنية، ولا بمسألة الاعتراف السوري بإسرائيل، وإنما يتعلق برؤيتين لا يمكن لهما أن تلتقيا: إسرائيل تريد تنازلاً سورياً عن الجولان (وفقاً لترتيبات يتم التوافق حولها)، وما التفاصيل الأخرى، مثل السيطرة على قمة جبل الشيخ / حرمون، والنقاط العسكرية الإسرائيلية في الجنوب السوري، والتدخل لحماية الأقليات، وتقليص التواجد العسكري الروسي والتركي، وطرد المجاهدين المقاتلين من سوريا، إلا أدوات ضغط لأجل الغاية الكبيرة (الجولان).
بالنسبة لسوريا العاجزة، لا يمتلك الرئيس
أحمد الشرع إلا السياق القانوني وفق الشرعة الدولية، وهو الانسحاب الإسرائيلي من
المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق، ثم ترتيبات أمنية بين الجانبين، وبعد
نجاح هذه الخطوات يمكن الانتقال إلى الحديث عن سلام طويل الأمد.
وقد حاول الشرع طمأنة إسرائيل حين تحدث عن
قوننة الوجود العسكري التركي في سوريا وتقليص القواعد الروسية من 170 قاعدة إلى
قاعدتين فقط.
إذا ما حصلت إسرائيل على الجولان، فإن كل
المسائل الأخرى تصبح سهلة الحل، لكن ما العمل إذا كان خيار منح سوريا الجولان
لإسرائيل أمراً مستحيلاً؟
الضغط الإسرائيلي
أمام انسداد المفاوضات السورية ـ
الإسرائيلية، لجأت إسرائيل إلى إحداث تغيير كبير في الجنوب السوري، وما مشروع
"سوفا 53" إلا تجسيداً لهذا التغيير.
المشروع الذي بدأ في حقبة الأسد عام 2022،
ثم توقف، ثم استؤنف مؤخراً، يمتد من محيط حضر شمالاً، مروراً بجباتا الخشب
والحميدية، وصولاً إلى العشة والمثلث الحدودي جنوباً، بطول يتجاوز السبعين
كيلومتراً، ليشمل منطقة جبل الشيخ.
وخلال هذا الطريق، توجد سواتر ترابية وخنادق
ونقاط مراقبة وتحصينات ومواقع عسكرية.
خطورة هذا الخط أنه لا يقع في المنطقة الوسط
(تسيطر عليها قوات حفظ السلام الأممية المعروف باسم أندوف) بين خط ألفا من جهة
القوات الإسرائيلية وخط برافو من جهة القوات السورية حسب اتفاق فض الاشتباك لعام
1974، بل يتعدى هذه المنطقة ليدخل العمق السوري، بما يسمح لإسرائيل التحرك بسهولة
بين الشمال والجنوب على امتداد جبهة القنيطرة.
من الواضح أن إسرائيل قد انتقلت عبر هذا
المشروع من مرحلة المراقبة الأمنية إلى مرحلة السيطرة الكاملة، أي تغيير الجغرافيا
الأمنية، ليصبح العمق الاستراتيجي الأمني لإسرائيل داخل الأراضي السورية.
ومن شأن هذا الخط عند اكتماله، أن يجعل
عملية التوغل في العمق السوري أكثر سلاسة، لأن هذا الخط أصبح قاعدة عسكرية ممتدة
يمكن الانطلاق منها.
وقد ترافقت اللغة العسكرية هذه بلغة سياسية
لا تقل عنها حدة، فقد أعلن وزير الحرب الإسرائيل يسرائيل كاتس رفض الانسحاب من جبل
الشيخ والمنطقة الأمنية في سوريا، وهذا مؤشر جلي على أن إسرائيل قد اتخذت قرار
التصعيد مع حكم الشرع بالانتقال إلى فرض وقائع جديدة لا يمكن لسورية الحالية
تغييرها.
خيارات الشرع
في ضوء حقائق القوة العسكرية، لا يمتلك
الشرع سوى الإطار السياسي، محاولاً الاستفادة من علاقته الممتازة مع الإدارة
الأميركية للضغط على إسرائيل، لكن الوقائع أظهرت أن ترامب نجح في منع إسرائيل من
توجيه ضربات للجيش وقوات الأمن السورية، والتوغل عميقاً نحو دمشق، وما عدا ذلك،
فقد فشل ترمب في منع إسرائيل من فرض وقائع أمنية في الجنوب السوري.
لا يمتلك الرئيس أحمد الشرع إلا السياق القانوني وفق الشرعة الدولية، وهو الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام السابق، ثم ترتيبات أمنية بين الجانبين، وبعد نجاح هذه الخطوات يمكن الانتقال إلى الحديث عن سلام طويل الأمد.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يعمل الشرع
تعزيز
العلاقات والتحالفات مع دول المنطقة، بحيث تصبح سوريا جزءاً من منظومة تحالف
عسكري ـ أمني، ومنها الانضمام إلى تحالف مكة، الذي يضم المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان.
لا تستطيع هذه الدول الثلاثة الضغط على
إسرائيل ولا تهديدها بشكل مباشر، لكنها قد تقدم للجيش السوري دعماً مالياً
وعسكرياً، إضافة إلى ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة، باعتبار هذه الدول الثلاثة
حلفاء استراتيجيين للولايات المتحدة.
يلجأ الشرع بحكم الضرورة، إلى اتباع سياسة
تمرير الوقت، على أمل حدوث متغيرات إما داخل إسرائيل ذاتها، أو في الداخل
الأمريكي، أو حدوث متغير إقليمي أو دولي من شأنه أن يُجبر إسرائيل على تغيير
موقفها، في وقت يعمل على سحب الذرائع الأمنية من إسرائيل، وما اللقاء الذي جرى بين
وفد سوري مع وفد من "حزب الله" اللبناني إلا محاولة لوقف إدخال الحزب
لخلايا إلى الجنوب السوري.
ما يُحسب للشرع حقيقة أنه رفض رفضاً قاطعاً
تقديم تنازلات لإسرائيل، ليس في الجولان فحسب، بل أيضاً فيما يتعلق بالتواجد
العسكري الإسرائيلي في سوريا بعد الثامن من ديسمبر عام 2024.
لكن المرحلة المقبلة ستكون أكثر خطورة من
السابق، ففي ضوء الوقائع الجديدة، ستنتقل إسرائيل إلى ممارسة ضغوط أكبر، وهذه
المرة ستكون عبر التدخل المباشر في المكونات الاجتماعية السورية.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.