أزمة العقل السياسي العربي

خالد ضوي
إن الانتقال من مرحلة "شرف النضال" إلى مرحلة "البراجماتية المؤسسية التفاوضية" هو شرط وجود أساسي للدول في النظام الدولي الحالي.. الأناضول
إن الانتقال من مرحلة "شرف النضال" إلى مرحلة "البراجماتية المؤسسية التفاوضية" هو شرط وجود أساسي للدول في النظام الدولي الحالي.. الأناضول
شارك الخبر
لعل أكبر كوارث العرب التي تسببت في انهيارهم أمام الغرب وخسارتهم المفاوضات غالبًا، هو عدم فهمهم، شعوبًا وحكامًا ومثقفين، للسياسة الدولية المعاصرة التي تشكلت قواعدها ومؤسساتها تدريجيًا خلال القرون الأخيرة.

فالسياسة الحديثة تُمارَس في الغرب وتُقاس بحسابات المكسب والخسارة والتخطيط الاستراتيجي، بينما تُمارَس في الثقافة العربية بوصفها امتدادًا لـ "أخلاق الفرسان"، حيث يُطلب من السياسي أن يتصرف كالفارس الذي لا يساوم، ولا يناور، ولا يغير موقفه.

واختزال الموقف السياسي في تلك الأخلاق التي لم تعد السياسة الدولية تعمل بها، يجعل من الصدق المطلق والثبات الشكلي على الموقف مرادفًا للمروءة في الذهنية الجمعية، في حين أن السياسة الدولية تقوم على التكتيك والمرونة.

دائمًا ما تُترجم كلمة "تسوية" في الوجدان الجمعي كمرادف لـ "التنازل" و"الانكسار"، (نموذج كامب ديفيد)، بينما هي في العلوم السياسية الحديثة وممارسات العالم أداة أساسية لمنع الحروب الشاملة وتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح المشتركة.
النتيجة أن السياسي الذي يناور أو يقدم تنازلًا مرحليًا لحماية مصالح بلاده، يُوصَم فورًا في الضمير الجمعي العربي بالانتهازية أو الضعف والتفريط، حيث تُفضّل الذهنية العربية "الشهيد النبيل" أو "الزعيم المهزوم بشرف" الذي لم يتراجع عن موقفه خطوة واحدة، (نموذج جمال عبد الناصر في حرب ٦٧)، على "السياسي البراجماتي" الذي حقق مكاسب مادية ومساحات نفوذ واقعية عبر التسويات، (نموذج السادات في معاهدة السلام). فالذهنية العربية تجلّ النوايا الطيبة والخطابات الحماسية أكثر مما تجلّ حصاد النتائج الملموسة.

ودائمًا ما تُترجم كلمة "تسوية" في الوجدان الجمعي كمرادف لـ "التنازل" و"الانكسار"، (نموذج كامب ديفيد)، بينما هي في العلوم السياسية الحديثة وممارسات العالم أداة أساسية لمنع الحروب الشاملة وتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح المشتركة.

هذا التمسك بقيم الصدق والشرف يجعل المفاوض العربي يذهب إلى الطاولة وهو يتوقع من الخصم الدولي أن يخضع لـ "عدالة القضية" أو "الالتزام الأخلاقي"، متغافلًا عن أن القوى الدولية لا تتحرك فقط بمنطق الحق المجرد، وإنما بلغة القوة، وأوراق الضغط، والمصلحة، والمنافع المتبادلة.

هذه الثقافة تصنع دومًا مفارقات حادة. فنحن "ننتصر في الميدان ونُهزم على طاولة المفاوضات"، وهو ما يلخص جانبًا من مأساة التاريخ العربي الحديث بدقة متناهية، حيث إن هذه البراءة أو السذاجة السياسية ليست مجرد قلة خبرة، بل هي نتيجة طبيعية لغياب الفهم الكافي لأدوات "السياسة الحديثة" القائمة على انتزاع المصالح وإدارة أوراق الضغط.

والفرق الجوهري بين الذهنية العربية والذهنية الغربية في إدارة المفاوضات يتجلى في عدة نقاط: إن السياسة لدى العالم الآن "علم وأرقام وتخطيط استراتيجي"، مقابل عاطفة وبلاغة وخطابات حماسية ونداءات بعدالة القضية لدينا.

بينما يخوض الغرب المفاوضات بذهنية المكسب والخسارة، ويستند إلى دراسات وأوراق ضغط قانونية واقتصادية، يذهب السياسي العربي في كثير من الأحيان وهو محمل بالخطابات الحماسية، ومراهنًا على "أخلاقيات القضية" أو "عدالتها المطلقة"، متناسيًا أن العالم الحديث لا يتعامل مع الحق المجرد ما لم تسنده القوة والمناورة والدهاء والتخطيط والبدائل. فالغرب يمارس السياسة بطريقة "التجزئة والمراحل"، حيث يجزئ أزماته ويأخذ ما يمكن أخذه اليوم، ثم ينتقل إلى الغد.

أما الذهنية السائدة لدينا فتتعامل بمنطق "الكل أو لا شيء"، (نموذج مؤتمر اللاءات الثلاثة في الخرطوم ١٩٦٧)، وهي العقلية التي أضاعت فرصًا تاريخية متعددة لأنها رفضت المكاسب المرحلية باعتبارها "تنازلًا عن المبدأ".

إن عدم إدراك أن النصر في المفاوضات الحديثة لا يعني إبادة الخصم أو إجباره على الاستسلام الكامل، بل يعني تحقيق أقصى منفعة ممكنة لشعبك، فعندما نعتبر أن مجرد التنازل التكتيكي "خيانة"، فإننا نكبل أيدي مفاوضينا ونفرض عليهم الفشل المسبق.

الكل أو لا شيء.

والمفاوض الغربي يمتلك مؤسسات تتوارث الملفات وتستمر في الضغط المنهجي لعقود، بينما نمارس نحن المفاوضات بنمط "رد الفعل" المرتبط بشخصية الحاكم. فإذا تغير الأشخاص ضاعت الوثائق والخبرات، وعدنا إلى نقطة الصفر.

إن الانتقال من مرحلة "شرف النضال" إلى مرحلة "البراجماتية المؤسسية التفاوضية" هو شرط وجود أساسي للدول في النظام الدولي الحالي.

وبينما السياسة في جوهرها هي "فن الممكن" وإدارة التسويات، فإنها تُمارَس لدينا إما بمنطق "الخصومة المطلقة" أو "الولاء المطلق"، دون ترك مساحة للمراجعة والاعتراف بالأخطاء أو بناء مساحات مشتركة.

وتتكرر نفس المساجلات، بنفس المنطق والحجج، مع كل حدث، وتتحول معارك المثقفين والكتّاب إلى "دوران في حلقات مفرغة" تظل سنين طوالًا بلا حسم عاقل لها.

إن غياب الفكر المؤسسي جعل الصراع الفكري بين الكتاب والسياسيين صراعًا حول "الأشخاص" وسيرهم الذاتية، بدلًا من أن يكون صراعًا حول "المشاريع" و"السياسات".
إنها فجوة "المفهوم والمنهج" بين عصرين؛ عصر يعيش فيه العالم بلغة المصالح والبراجماتية، وعصر نُصرّ نحن فيه على خوض معاركه بأدوات القرون الوسطى، وممارسة سياسات زمن الفرس والروم، والمفهوم الصفري للصراع.

وتتجلى هذه الأزمة وتتأكد أسبابها في "الشيطنة الأخلاقية" للبراجماتية. ففي الوقت الذي يُعتبر فيه مفهوم الواقعية السياسية، والبراجماتي المعتدل، القادر على المناورة لتحقيق أقصى منفعة للأمة، ركيزة أساسية في السياسة الحديثة للدول، يُنظر إلى البراجماتية في الثقافة العربية كمرادف لـ "الانتهازية" و"الخيانة". وهذا التبسيط يهدم أسس فهم السياسة الدولية التي يمارسها العالم كله.

ممارسة السياسة بعقلية القرون الوسطى، عقلية الفارس في مواجهة فارس آخر، تجعل كل جولة تفاوضية بمثابة "معركة كرامة" و"حياة أو موت"، بينما في السياسة الحديثة، لا توجد صداقات وعداوات ثابتة إلى الأبد، بل توجد مصالح دائمة ومتغيرة، وتوازنات تتبدل بتبدل الظروف.

وفي حين يُقاس نجاح السياسي في المنظومات الدولية الحديثة بما يحققه من مكاسب مادية ومؤسسية لشعبه، من تنمية وقوة اقتصادية ونفوذ، يُقاس لدينا بمقدار البلاغة الخطابية والثبات الصوري على "المبدأ"، حتى لو أدى هذا الثبات إلى الهزيمة الماحقة والخراب التام.

إن غياب الفكر المؤسسي جعل الصراع الفكري بين الكتاب والسياسيين صراعًا حول "الأشخاص" وسيرهم الذاتية، بدلًا من أن يكون صراعًا حول "المشاريع" و"السياسات". والسياسة الحديثة لا تعترف بحسن النوايا ولا بشرف الهزيمة؛ إنما هي لعبة حسابات تعتمد على أوراق الضغط، والتوازن، وفن الحصول على الممكن اليوم لتحقيق الأفضل غدًا.

*كاتب وباحث مصري


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل