انتصار الإرهاب الإسرائيلي

نزار السهلي
"الاعتقاد الصهيوني بأن استراتيجيته لفرض الغطرسة والقوة والاستسلام على العرب والفلسطينيين هي أكثر نجاعة من الكلام العربي المجرب صهيونياً وغربياً"- جيتي
"الاعتقاد الصهيوني بأن استراتيجيته لفرض الغطرسة والقوة والاستسلام على العرب والفلسطينيين هي أكثر نجاعة من الكلام العربي المجرب صهيونياً وغربياً"- جيتي
شارك الخبر
الاعتقاد الإسرائيلي بأن الوقت ملائم لإسرائيل للمضي بإرهاب الدولة الذي تمارسه ضد الشعب الفلسطيني، وارتكاب المزيد من جرائم الإبادة والتطهير العرقي في كل فلسطين التاريخية، ينبع من التساهل العربي والدولي مع هذا الإرهاب المنظم والممنهج والذي تتتابع فصول جرأته على مسمع ومرأى العالم كله، دون ردع ويترسخ هذا الاعتقاد بسلسلة ممارسات فاشية عنصرية تقودها عصابات الدولة الإرهابية وجيشها وشرطتها وأجهزتها الأمنية في مدن الضفة وقراها وأحيائها وجيوبها القروية، إضافة للقدس وغزة، بغية فرض أمر واقع وهزيمة محققة بالشعب الفلسطيني، بعد هزيمة الإرهاب الإسرائيلي لعملية "السلام" وقتل كل شروطها وبنودها، والاستخفاف بكل القانون الدولي والإنساني.

هذا يعني بادئ ذي بدء أن السلوك العربي الرسمي أولاً، في مضمار علاقته بالقضية الفلسطينية وبمعاناة شعبها ينحسر، وفي مضمار علاقته بإسرائيل والتفرج على إرهاب وعنصرية صهيونية، يتيح لبن غفير وسموتريتش ولقطعان المستعمرين ولنتنياهو مزيدا من الإغراء بشهية الدم الفلسطيني، وبإذلال الأسيرات والأسرى، ومواصلة جرائم الإبادة والتطهير العرقي والفصل العنصري، لتحقيق الطموح الصهيوني بإنهاء الوجود الفلسطيني فوق أرضه، وفرض حالة استسلام وخضوع كلي لغطرسة وفاشية يتحقق أحد جوانب نجاحها في ما يراه ويتابعه النظام العربي والدولي، وفي رد الفعل الذي تعتبره إسرائيل الفرصة المناسبة من أجل الدفع بطموحاتها القديمة الباقية إلى أرض الواقع.

السلوك العربي الرسمي أولاً، في مضمار علاقته بالقضية الفلسطينية وبمعاناة شعبها ينحسر، وفي مضمار علاقته بإسرائيل والتفرج على إرهاب وعنصرية صهيونية، يتيح لبن غفير وسموتريتش ولقطعان المستعمرين ولنتنياهو مزيدا من الإغراء بشهية الدم الفلسطيني، وبإذلال الأسيرات والأسرى، ومواصلة جرائم الإبادة والتطهير العرقي والفصل العنصري

في الميدان، ليس هناك من تحرك يمنع توسع وتمدد الإرهاب الصهيوني، وفي السياسة شلل دبلوماسي يفقد عناصر الضغط التي من شأنها على الأقل الحفاظ على صورة الأمن العربي المفترض، وعلى المصالح التي جمعت تطبيعاً بين بعضه وبين إسرائيل. فكيف يشاهد العربي وفداً من الاتحاد الأوروبي يتحرك باتجاه مدن الضفة ويدخل قرية قصرة المحاصرة، بينما بعض النظام العربي المتمسك بمفردة "دعم السلام" يمارس غيبوبة تغري المستعمرين وجرائمهم.

فالقضاء على فرص النشاط والتفاعل والتملك الحقيقي لمجرى الأحداث تتحكم به مجموعة من الفاشيين في المنطقة. وانطلاقاً من السلوك العربي وخلفه الدولي، هناك قراءة إسرائيلية ليست خاطئة بالمطلق لما تقدم عليه في طريق إنهاء وشطب الحقوق الفلسطينية، من خلال الإسراع بعملية القضم المتدرج للأرض بالاستيطان والتهجير وهدم المنازل وتقطيع أوصال الأرض، وصولاً لتفكيك ما تبقى من السلطة الفلسطينية، يرافق كل ذلك حملة تضليل صهيونية واسعة للتحضير لجولة عدوان واسعة في مدن الضفة والقدس.

القراءة العربية والفلسطينية الخاطئة للعدوان الإسرائيلي على كل الأرض الفلسطينية، بعضها مجتزأ مما حصل منذ السابع من تشرين الأول/كتوبر 2023. فبعض الهموم العربية منذ ذاك التاريخ ارتبطت بكارثة "طوفان الأقصى" كما قرأها البعض من كتاب الذرائع الإسرائيلي في تبرير حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، وهم اليوم في حالة خرس مع ما يجري في الضفة والقدس، والتي يربطها المستعمرون وجيشهم بالطموحات الصهيونية والأحلام التوراتية التلمودية لفرض تغييرات جذرية تحول دون قيام كيان فلسطيني وتحد من الوجود الديموغرافي للفلسطينيين، وما يستتبع هذه التغييرات بالضرورة من تغيير محتوم في أدوات المواجهة العربية والفلسطينية، والتي تسأل جميعها عن مواقف غربية وأمريكية ضاغطة على إسرائيل، بينما هي تمارس شللها المعهود أمام بلدوزر العدوان الإسرائيلي منذ عقود طويلة، بإشاعة النزعة الإتكالية بمسؤولية الغرب والولايات المتحدة فقط في مآلات القضية الفلسطينية، لحجب دورها ومسؤوليتها في التصدي لإرهاب يتهدد العرب كلهم، مطبعين ومهادنين.

الغوص العربي والفلسطيني في مغطس الأوهام المستمرة بمناشدات لا تناشد الشوارع والمجتمعات العربية، والإيحاء لها أن دبلوماسية البيانات الإعلامية والاتصالات الهاتفية ستضع حداً وسقفاً لشهية الفاشية الصهيونية، لم ينفع لا في السابق ولا في أوان جرائم تتصاعد، فإفرازات هذا الغوص على سطح الأحداث طمس معالم نجاح أي تجربة عربية وفلسطينية في استخدام أدواتها الفعلية الكامنة في قدراتها الاقتصادية والدبلوماسية. ولا يقول أحد إنه بحاجة لأن تتحرك جحافل جيوش عربية لصد إرهاب وعدوان إسرائيل، بل أن يستخدم أهم قدرة لديه في قطع العلاقة مع إسرائيل، وفرض حالة مقاطعة دبلوماسية مع كيان فاشي، ومقاطعة تجارية واقتصادية له، حتى يتسنى لدبلوماسية عربية فلسطينية استقامة مناشداتها للمجتمع الدولي الذي يشكل النظام العربي الجزء الهام على الخريطة الدولية.

لا يقول أحد إنه بحاجة لأن تتحرك جحافل جيوش عربية لصد إرهاب وعدوان إسرائيل، بل أن يستخدم أهم قدرة لديه في قطع العلاقة مع إسرائيل، وفرض حالة مقاطعة دبلوماسية مع كيان فاشي، ومقاطعة تجارية واقتصادية له، حتى يتسنى لدبلوماسية عربية فلسطينية استقامة مناشداتها للمجتمع الدولي الذي يشكل النظام العربي الجزء الهام على الخريطة الدولية

استحضار بعض الشواهد والسوابق، في تجربة امتلاك إرادة المقاطعة والحصار لنظام فصل عنصري وإنجازات دبلوماسية لشعوب محتلة ولحركات تحرر وطني؛ كثيرة، غير أن استخدام النظام الرسمي العربي والفلسطيني المفرط لدبلوماسية العجز، والاستجداء المرتبط مع شلل كلي لقدرات عربية كبرى، ومن دون المباشرة بمهام تفرضها مسؤوليات الأمن العربي وأخلاقيات الارتباط العربي والإسلامي والإنساني مع مفهوم العدالة والحرية والتحرر؛ عززا من الاعتقاد الصهيوني بأن استراتيجيته لفرض الغطرسة والقوة والاستسلام على العرب والفلسطينيين هي أكثر نجاعة من الكلام العربي المجرب صهيونياً وغربياً.

لكن، رغم هذا العدوان الإسرائيلي الشامل، هناك حالة افتراق وتباين وتناقض مع السياسة الاستعمارية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في شوارع غربية وعربية رغم ممارسة القمع والقهر ضدها، حالة رسمت ملامحها وخطوطها العريضة مواقف شعوب وأنظمة غربية في تصديها المباشر والصدامي مع إسرائيل والولايات المتحدة، من دون إسناد عربي رسمي وفلسطيني لهذه المواقف من حرب الإبادة وسياسة الفصل العنصري.

وما زال في ساحة العدوان على الشعب الفلسطيني موقع التقاء وتفاعل مع مبادئ العدل والحق والإنسانية، وهناك من يصر على طمس هذه المبادئ بتعزيز قديم عجزه في تشديد القمع الداخلي وإرهاب مجتمعاته، وتفكيك منظومة المبادئ والعدل والحريات وعزلها، والتهافت مجدداً على تقوية القبضة الاستبدادية التي أسهمت تاريخياً في توفير شروط موضوعية لصعود تيار فاشي في إسرائيل، والذي يسهم بدوره من تجميد الواقف العربية والفلسطينية عند واقعها المتردي الحالي، والتي تمنح فاشيين مثل بن غفير وسموتريتش ونتنياهو وتسفي سكوت، وعصاباتهم، الاستمرار والمضي بخرافة تحقيق الانتصار الإسرائيلي بالإرهاب والجرائم ومزيد من احتلال الأرض وسحق العرب.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)