كذبة التفويض والدعم في الواقع العربي

نزار السهلي
"الحفاظ على الأمن العربي المشترك يتوقف على قدرته على لجم عدوانية إسرائيل"- الأناضول
"الحفاظ على الأمن العربي المشترك يتوقف على قدرته على لجم عدوانية إسرائيل"- الأناضول
شارك الخبر
يُطرح سؤال بين الفينة والأخرى عن جدوى الفعل العربي وتأثيره السياسي والأمني، في ظل تحديات عربية مصيرية ووجودية، وحقيقة المخاطر المتعددة التي تواجه الواقع العربي شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، لا يختلف اثنان عليها؛ من أن عدوان الإبادة الإسرائيلي على قطاع غزة، واتساع الهجمة العنصرية الفاشية على عموم الشعب الفلسطيني وأرضه، يتركان بصماتهما الواضحة في الفشل العربي على عموم المنطقة العربية. فالمعطيات والنتائج تثبت أن معيار النجاح والفشل العربي في الحفاظ على الأمن العربي المشترك يتوقف على قدرته على لجم عدوانية إسرائيل والحفاظ على القضية الفلسطينية وشعبها.

عندما يتوقف العربي أمام حدثٍ بضخامة جرائم الإبادة والتطهير العرقي في فلسطين، ويشاهد ويتابع بمرارة خذلان الضحايا حتى "بشربة ماء"، وعجزا عن إنقاذ آلاف الجرحى والجياع ومدهم بالدواء والغذاء، وفشلاً في تأمين موقف سياسي موحد ضد عدوان صهيوني منفلت، فهو يتوقف أمام فشلٍ عربي كارثي سيكون خبز الأجيال القادمة، مع تكريس جملة من حقائق عربية أحدثت تغييرات عميقة في المنطقة، وغزة كشفت جلها.

عندما يتوقف العربي أمام حدثٍ بضخامة جرائم الإبادة والتطهير العرقي في فلسطين، ويشاهد ويتابع بمرارة خذلان الضحايا حتى "بشربة ماء"، وعجزا عن إنقاذ آلاف الجرحى والجياع ومدهم بالدواء والغذاء، وفشلاً في تأمين موقف سياسي موحد ضد عدوان صهيوني منفلت، فهو يتوقف أمام فشلٍ عربي كارثي

والتفرج على ما جرى ويجري لشعب فلسطين، شكل نقطة تحول كبرى في المنطقة والعالم بكافة المعايير، ومن ذلك التلعثم والهروب من تهديدات بتسلئيل سموتريتش لدولة مثل مصر على سبيل المثال، بأنها ستخسر سيناء في حال فكر النظام بأي تحرك، فكان الرد المصري عليه: "من قال لك بأننا سنحارب فنحن استعدنا سيناء" ونعيش بمعاهدة سلام!

على الرغم من استباحة إسرائيل للسيادة المصرية، وانتهاك بنود معاهدة السلام، واحتلال محور صلاح الدين ومعبر رفح، ناهيك عن بقية التهديدات والتداعيات، والتي استطاعت إسرائيل من خلالها تحقيق المفاجأة وأن تعدل بصورة نسبية الموازيين لصالحها في شمال مصر وجنوبي لبنان وسوريا وغزة والضفة والقدس، فإنها فرضت في الوقت نفسه "فيتو" على أي قرار عربي "حقيقي" يكون مظهره شاملا وفاعلا بتحديد العلاقة مع المعتدي. ففعل الصدمة المؤثر عربياً يبدو أنه انتهى إلى غير رجعة، ومثله الرهان على مواقف مثل تفعيل سلاح الأمن العربي المشترك، والتحديات المصيرية للمنطقة، أو مقاطعة الاحتلال وحصاره عربياً، أو إطلاق سراح الشوارع العربية من زنزانة القمع المشترك لمنع التضامن مع فلسطين؛ فمثل تلك القرارات باتت خيالية وطوباوية، مقابل قدرة إسرائيلية على بعثرة السياسة العربية أمام عدوانها المتسع، ومنع تطوير أي موقف يخفف الوطأة الصهيونية الاستعمارية.

كان ينتظر بعد هذه الاستباحة الصهيونية للمنطقة، نتائج عربية مغايرة، وإذا نحن أمام تأهب عسكري مصري واستنفار مفاجئ، لا ليعطي محطات الفشل الخذلان والعدوان حقها، بل لإضافة مزيد من التساؤلات حول قرار مشاركة الجيش المصري الدفاع عن المملكة العربية السعودية والتصدي للهجمات "الحوثية" التي تتعرض لها السعودية. والمشكلة ليست في الإسناد العسكري المصري للسعودية، طالما ينادي العرب بوحدة الأمن والمصير، وأن يتكاتف العربي بجانب العربي في خندق واحد للذود عن الأوطان، إذا توفرت لديهم إرادة وعزيمة التضامن على تحقيق أهدافهم، لكن تسخير القدرة العربية بغير مكانها، تجيب على سؤال جدوى الفعل والتأثير لدرء الخطر الأساسي وحصار ولجم المشروع الاستعماري الصهيوني في المنطقة العربية.

يعيدنا قرار مجلس الدفاع الوطني المصري "تقديم أشكال الدعم كافة اللازمة والممكنة للمملكة العربية السعودية الشقيقة للدفاع عن أمنها واستقرارها، وصون مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية"؛ إلى البحث وراء جدية ومصداقية خطوة النظام المصري ودعوته البرلمان للتصويت على هذا القرار، وكأننا أمام برلمان يمارس حرية خياراته وقراراته وهو يتلقى أوامره من نظام عسكري يفرض إرادته على كامل المجتمع، ومن ثم طلب أمر التفويض يذكر بواقعة انقلاب النظام نفسه على الديمقراطية وطلب أمر التفويض وتزوير الإرادة الشعبية. وفي كل الأحوال، الديمقراطية العربية من المحيط إلى الخليج مؤشرها وعزيمتها تتعطل عند حدود مناقشة العدوان الإسرائيلي وبحث آليات الرد عليه، وتلك من التابوهات المحرمة في نقاش أي برلمان عربي يدعو فيه الناخب ممثله في البرلمان للمساءلة عن تقاعس نظامه السياسي والعسكري، أو فضح تآمره المباشر في تسهيل العدوان الإسرائيلي على شعب عربي شقيق، فما بالنا بنقاش انخراط جيش عربي تساهل نظامه عن قصد في التفريط بسيادة أرضه وأمنه، ووقف يتفرج على إبادة شعب عربي شقيق أرضه تتهود ومقدساته تُنتهك.

أمام كذبة انتظار التفويض والأمن القومي وغيرها من العناوين والمشاهد المنتفخة لعرض عسكري، وهندام رسمي تزينه أوسمة؛ هناك خطاب يتلعثم بتقزيم ذاته أمام تهديد بتسلئيل سموتريتش لاحتلال سيناء، وغطرسة نتنياهو وبن غفير

النقاش ومبدأ الانخراط العسكري المصري، غير مبني على البنود التي ذكرها مجلس الدفاع الوطني (صون الأرض العربية والحفاظ على مقدساتها وحفظ أمنها)، فإذا كانت غزة شمالاً والسودان جنوباً وليبيا غرباً، في العرف الأمني لمصر، مناطق غير مؤهلة لأن تلعب فيها دوراً لحفظ الأمن، يتضح هنا أن تبعية الموقف السياسي المصري والنظام العربي عامة، له تأثير معاكس على سيادة القرار السياسي والعسكري المتخذ لنظام سياسي يئن تحت جملة من التناقضات الاقتصادية الضخمة والحادة، ويعاني من نقص خطير في بنائه الديمقراطي، وتنعدم لديه استراتيجيات التنمية الهادفة.

لذلك، يتكرر ضخ شعار التفويض الشعبي، بعيداً عن الأسس الصحيحة لنظام عسكري قمعي يحاول تقديم نفسه حامياً لقضية عادلة، بعيداً عن عدالة داخلية تُنتهك في ممارسات كثيرة وعلى مدار 14 عاماً، ويتفرج منذ ثلاثة أعوام على انتهاك سيادته وأرضه وأمنه، وعلى معاناة شعب طُحن من ضخامة جرائم الحرب والإبادة، وهي مستمرة بفضل ذلك الصمت.

فأمام كذبة انتظار التفويض والأمن القومي وغيرها من العناوين والمشاهد المنتفخة لعرض عسكري، وهندام رسمي تزينه أوسمة؛ هناك خطاب يتلعثم بتقزيم ذاته أمام تهديد بتسلئيل سموتريتش لاحتلال سيناء، وغطرسة نتنياهو وبن غفير.

وبالمناسبة الخطاب والسلوك العدواني الصهيوني لا يُتخذ باستعراض عسكري، لأن الحقيقة التي تقال في النهاية أن قوة إسرائيل ومشروعها الاستعماري، يكمنان في امتداداتها العضوية خارجياً، وبقدرة تأمين نفسها في بلدان الطوق العربي لفلسطين.

وعلى هذا الأساس يُفهم تمسك أنظمة القمع العربي بالانتصار على إرادة الشعوب وتزويرها، بكذبة التفويض والدعم، أو بقرار التحالف والتطبيع وإبرام معاهدة سلام مع إسرائيل، لقطع الطريق أمام أي حالة نهضوية، ولهزيمة أي معركة تنادي بالحفاظ على السيادة والكرامة الوطنية أو لجم عدوان المحتل، لأن ذلك يصيب حساسية أنظمة الاستبداد والقمع، التي تريد تحقيق الانتصار على مجتمعاتها مقابل جعل إسرائيل مهيمنة عليها، وبمقابل أمان كرسي قمع الشعب.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل